آسيا في مفترق الطرق :

الاقتصاد العالمي الجديد المتذبذب في القرن الحادي والعشرين

 

أغسطس 1996

 
 

 القرون العديدة الماضية لم تمر بسهولة على شعوب قارة آسيا . قبل الحرب العالمية الثانية كان الآسيويون إما مهملين أو مستعمرين من الغربيين -  الواثقين من تفوقهم عبر " السباقات الصفراء " – الذين حاولوا أن يستقدموا التطور الاقتصادي والمسيحية للقارة . الاستعمار كان بالطبع غطاء أوروبي لجدول الأعمال السيء . الغربيون استولوا على الموارد الطبيعية الآسيوية وحاولوا بناء أسواق لصناعاتهم . سياسة السفن الحربية والأفيون جمعتا معا بجيش من الجواسيس والعملاء لينشروا الفوضى والأذى .

الإبادة الجماعية – مصطلح متداول حاليا – انتشرت انتشارا واسعا . إنها بالتأكيد ليست بالمنظر الرائع : اليابانيون – بالرغم من تسليحهم القوي في الماضي – أيضا وقعوا في الإبادة الجماعية .

 

الآن تعافت القارة الآسيوية تماما وأصبحت في ازدهار مستمر . هذه القارة لم تعد متجاهلة كالماضي . لقد رأيت هذا مباشرة عندما سافرت قريبا إلى هناك لمدة 15 شهرا كاملة , معظمها كان بريا عن طريق المواصلات العامة . ببطء وبنظام مدروس تفحصت عوامل النجاح الموجودة بالقارة في القرن القادم , ولقد غمرني شعور بأني في الولايات المتحدة . أنا أمريكي متفوق – أخشى أني - سأختفي تماما في القرن الحادي والعشرين , والشعوب الآسيوية متمثلة في الكيانات الاقتصادية العظمى – اليابان والصين والهند – ستقع عليهم مسؤولية هذه الثورة الاقتصادية .

 

لي كوان يو – رئيس وزراء سنغافورة –  ناقش هذا واآن وجدت كلماته مقنعة جدا . إنها ليست مناقشة معروفة أو متداولة في الغرب لسبب بسيط : الديموقراطية – أو الديموقراطية كما يمارسها الغرب – لاينظر إليها في آسيا كأساس ملحوظ للاقتصاد الفعال . على النقيض يرونها كعائق أو " مرض مسبب للانحلال " الذي يحمل الاقتصاد الحديث بتكاليف و أعباء غير ضرورية . رحلتي عبر آسيا – التي جعلتني أزور جميع الدول عدا تايوان و كمبوديا – حررتني من أوهام الديموقراطية .

 

الضرائب الثقيلة – تحول المبالغ المدفوعة و الرفاهية – المجتمع حافل بمحامين عديمي الضمير – الأعمال الإجرامية المبررة بالحرية الشخصية – صناعات التسلية تطرح قضية الإعلام الحر – كل هذا لايصنع أي شيء بناء في أي اقتصاد . لقد فكروا مليا – غالبا أكثر من المتوقع أو المطلوب – ثم عدلوا عن الإبداع والابتكار و الفعالية من صنع مشاركات كاملة لحياة الاقتصاد . الحكومات الفاشستية من المحتمل أن تكون أصل عظيم للآسيويين – والآسيويين من الممكن أن يقدروا ذلك تماما – ولكن هذا لا يحكي القصة الكاملة لنجاحهم الرائع .

 

ريتشارد نيكسون وهنري كيسينجر اعتقدا أنهما فعلا أشياء رائعة للعالم عندما فتحا الصين في أوائل 1970 . من الواضح الآن أنهما لم يستطيعا الابتعاد عن الحقيقة . بالطبع – من وجهة نظرهما – أنه كان من المنطقي أن يجتذبا الصين في لعبة مع الاتحاد السوفييتي . بريزهنف أخبر نيكسون " مايجعلنا قلقين فعلا هؤلاء المليار صيني خلف حدودنا الشرقية " . لكن محاربي الثلوج لم يستطيعوا أن يتوقعوا نهاية للحرب الباردة . " اتزان القوى " في السياسة العالمية وصل إلى ما كان نيكسون وكيسنجر يتوقعان . في الواقع - بإخبار ماو وأتباعه بأن الصين تحتاج رأس مال وليس حرب أهلية ( غالبا كنتيجة للشيوعية ) – هؤلاء الرجال كانوا يدعون لتدمير الولايات المتحدة . عبقرية ماو الآن تظهر لتوحد الصين بأي ثمن , ثم تعيد بناء الوطن وتجذب أثرياء العالم

 

انفتاح الصين كان له دور ضئيل في انهاء الحرب الباردة , لكنه أعطى الآسيويين الآخرين – وبشكل ملحوظ اليابانيين – سوق طبيعي وغير محدود لخدماتهم وسلعهم . اليابان تنتج كثير من سلع العالم ذات القيمة المضافة , السلع التي يحتاجها الصينييون وبالفعل كل آسيا بشكل مبالغ فيه . قرابة اليابان للصين والهند يجعلها ممكنة وبوضوح أن أصحاب رؤوس الأموال حول العالم سوف يشهدون واحدا من أكثر الأحداث تأثيرا في تاريخ الرأسمالية : صاحب المال والمصدر الرئيسي للسلع الرأسمالية – اليابان – يلتحق بأكثر دول العالم كثافة , حيث سيختلق ازدهار اقتصادي عظيم  " عالم شرق آسيا المتحد ذو الازدهار الاقتصادي العظيم " . وغالبا الصراع  لن يسبب إجهاض هذا المشروع .

 

مصادر الاتحاد الآسيوي القوي – وفرة الموارد الطبيعية والطاقة , الطبيعة الجغرافية , الحكومات الفاشستية , التعداد الهائل ( الذي يتزايد باستمرار وبنسبة كبيرة ) والثقافة – مكنت من شرح كيف نجحت هذه القارة . ولكن ربما أكثر مصدري قوة مهمين هما الأكثر حداثة في عجلة التطور : نهاية الحرب الباردة – التي جاءت بالسلام لهذه المنطقة وحدودها – و الزيادة المستمرة دائما لاستخدام الكمبيوتر – التي أحضرت المعرفة و إلا كان الجهل والتخلف والإنعزال للقارة الكبيرة .

 

وسائل المواصلات البرية أصبحت الآن أكثر كفاءة , وذلك راجع إلى التحسن الرائع في التكنولوجيا كما أنه يرجع إلى نهاية الحرب الباردة . المنافسات الدولية لن تصبح مشتعلة بعد الآن بواسطة القوتان الإمبرياليتان في العالم ( الولايات المتحدة وروسيا ) . النقل البحري – وسيلة المواصلات الرئيسية المستخدمة للتجارة في العالم في القرن العشرين – ستواجه منافسة قوية أمام النقل البري في القرن الحادي والعشرين . البنية التحتية في آسيا تتكون بسرعة ولكن بناؤها يتم بحرص وعندما تتم سيكون هناك ثورة تجارية . الأفكار , السلع والخدمات , والبشر سينتقلون بأعداد أكبر وكفاءة أعلى

 

الطريق الحريري العتيق ( الذي اتبعته ) بالتأكيد سيعود للحياة من جديد . التجارة الجارية بين قارتي أوروبا و آسيا تدريجيا ستصبح نسبة كبيرة من التجارة العالمية . في العصور القديمة أفكار جديدة وابتكارات تحركت غربا من الصين إلى أوروبا ولكن بعدما أتقنها العرب . في القرن الحادي والعشرين ربما سيكون مفهوما أن الطبيعة خلقت قوة مرعبة بإيداع غالبية الوقود الخام تحت الأرض في الشرق الأدنى ووسط آسيا . العرب وسكان وسط آسيا – الوسطاء الكلاسيكيين – من الواضح حاليا أنهم يدركون هذا , و هم الآن يتفاوضون مع الولايات المتحدة و روسيا و القوى الإقليمية الأقل لكسب مشاركة أكبر في ثروة العالم . إنهم لا يترددون في استخدام أفضل الخطط الحربية – الإرهاب وحروب العصابات . ثقتهم و قوتهم تساند وجهة نظرهم التي يدركونها تماما حيث يستقرون ويعملون . إنهم بالفعل مؤثرين .

 

أنه عهد القوة الآسيوية و قرار التطور الاقتصادي الذي تقبل بحماس بينما تم إهمال المؤسسات الدينية الغير مألوفة و تم مقاومة القوى الأجنبية . ولكن كل هذا لم يتم تحقيقه بلا ثمن , بل كان ثمنا غاليا جدا . غالبية المجتمعات الآسيوية قاومت منفردة – وبشكل ملحوظ الصين – و آثار هذا الدمار للآن نشعر به في قارة آسيا .

 

المؤرخون في الغرب قالوا أنه أثناء العصور الوسطى في أوروبا كانت إنجازات شعوب الشرق الأدنى والشرق الأقصى مؤثرة جدا في العالم . و هذا بلا شك صحيح . الصينيون اخترعوا البوصلة , البارود , الطباعة , الورق  و خدمات الفحص الأهلية ( بناء على الكلاسيكيات الصينية ) . متابعة الحرب – نشاط انساني عقلي عميق – مثله مثل دراسة النزاعات أتقن بواسطة الصينيون . معظم الاختراعات المذهلة تأخذ طريقها في النهاية لأوروبا ولكن عن طريق العرب .

 

الصين الآن على طريق استعادة أمجاد الماضي . المدن الصينية الرئيسية هي مدن مزدهرة اقتصاديا و بإنشاءات في كل مكان على مرمى البصر . الشعب الصيني مازال فقيرا , ولكنه أقلم نفسه ليس كما مضى في بناء أمته . من الممكن أن يحدث هذا لأن وحدة الشعب الصيني تمت باستثناء إقليم تايوان المرتد . لايوجد حاليا تهديدات خطرة من الأجانب . ولكن يتحدث البعض في واشنطن عن الصين بأنها مصدر تهديد – تهديد اقتصادي وعسكري ! هونج كونج أعيدت في صيف 1997 و ماكاو في 1999 . هذا الاتحاد عاد بثمن ليس بالرخيص . هناك طرق عديدة لشرح الشيوعية الصينية , ولكن هناك واحدا فقط وجدته مقنعا جدا : إعادة بناء الصين و الحفاظ على حدودها كالحفاظ على مواردها , هذا يتطلب قيادة قوية وكفاح قاس ضد الأعداء في الداخل والخارج . إراقة الدماء و الدكتاتورية نمت و ترسخت في الحياة في الصين منذ الحرب العالمية الثانية .

 

ولكن كان هناك نوع من العنف تحت مسمى الدفاع عن النفس , الآسيويون امتلكوا , في الخمسين سنة الماضية , فعلوا ما فعلته الشعوب الذكية في أواخر القرن العشرين : عملوا بجد , وفروا مكاسبهم الصغيرة ليكونوا رؤوس أموال كبيرة – الآن تم تعريفهم كقائد لامفر منه للتطور الاقتصادي . ساعات طويلة دونت – وبتركيز شديد – حتى يتحقق الاستقلال و يستعاد احترام النفس . التعليم قيمته عالية . رأس المال الأجنبي يرحب به . الأكثر أهمية – والذي تحافظ عليه الحكومات الفاشستية – و بالرغم من عدم وجود عواقب غير سارة , أن تعطي التطور الاقتصادي اتجاه مسموع لكي تحافظ على التكاليف الضئيلة للعمالة . الحريات الشخصية يتم تقييدها بحكمة : الاستهلاك يتم تثبيطه هو و الإنتاج , بجلب صادرات من العملة الصعبة , و ذلك مؤكد بقوة . آدم سميث لم يثبت هذه الاستراتيجية ولمن تحقيقها مرعب .

 

افتراضي ببساطة سيمكن وضعه . التجارة الداخلية والاستثمار في آسيا – جعلت ببساطة الآن القارة لديها ثروة للانتاج الحدي لكل نسمة – يسمح للاستثمارات الضخمة لتطوير البنية التحتية . الصادرات – التي تعتبر هدف في الدول الغربية – تتحول الآن أكثر للقارة الآسيوية . علماء الاقتصاد العالميين ربما يعتقدون أن العشرين عاما الماضية ذات ال 10 % من النمو الاقتصادي لن تتكرر من جديد لكن النمور أو القوى الآسيوية تتجه ناحية التطور البطيء لتنشئ اقتصاد أكثر نضجا . لكنني أعتقد عكس ذلك : النمو الاقتصادي خلال العشرين عاما القادمة في آسيا سيتخطى بمراحل جميع التوقعات وربما سيسجل أرقاما قياسية جديدة . الين – عملة اليابان – القوي سيدافع عن استثماره في الفناء الخلفي .

 

سفري الطويل بدأ في اسطنبول التي تعتبر المدخل الغربي للشرق . وانتهى في أحد المعسكرات " إم تي " . أنابورنا في الهيمالايا هو سفح أحد أعلى الجبال في العالم . هذا هو الطريق الصحيح لإنهاء رحلة طويلة  في القارة التي انفجرت بالنشاط والابتكار. لم يكن منذ وقت طويل عندما كانت اسطنبول هي مقر هجمات الشرق على الحضارة الغربية . هذا الهجوم أصبح قريبا جدا من النجاح . أوراسيا بالفعل هي محور الجغرافيا و قلب التاريخ . دول آسيا تتجه إلى بعضها للربح و المنفعة . آسيا تستطيع مرة أخرة أن تتحدى الغرب . السرور بسبب الوقوف بين أعلى الجبال في العالم كان طاغيا علي جدا : لا أستطيع الانتظار لأن أعود و أكون شاهدا على نقطة تحول آسيا .

 

النهضة الأوروبية ليست هي الملكية الحصرية للغرب . ندرة الأكسجين على ارتفاع 4200 متر – ارتفاع معسكر إم تي في قاعدة أنابورنا – يجبر العقل على التفكير بوضوح . من الهيمالايا يستطيع المرء أن ينظر أسفل على الاقتصاد العالمي الجديد المتحرك . الذي يشك في هذا يجب أن يتذكر أن هذا العالم غير ثابت . هذا هو قرن جديد و بداية جديدة لثلثي شعوب العالم .

 

( ترجمة : أحمد البلشي )
5/5/2006