July 2016


New Page 1
 

أبجديات الصراع العربي - الإسرائيلي

النفط، الحلفاء، والدولار

 

 

كاليفورنيا- نوفمبر 2000

 

لقد بدأت معركة الشرق الأوسط. وكما يصف التاريخ فان صراعاً وحشياً، على شكل تحركات خطيرة ومثيرة، يتشكل الآن، مع توقع الكثير من الضحايا والدمار؛ والحقيقة، والتي دائماً ما تنفخ الروح في المعارك، ولكنها أيضاً دائماً ما تقمع عند السلام، أخذت تظهر الآن. فالجنود يتحركون والقادة يناقشون الأساليب والاستراتيجيات. إن تلك الأحداث والتي تقع في واحد من أكثر الأقاليم فقراً من العالم تذكرنا بالمعارك من أجل البقاء، وتدعم الثقة وتعيد الكبرياء لخمسمائة مليون مسلم يعانون في ذلك الإقليم.

إن المواجهة قد جاءت الآن بعد قرن من الزمان وبعد زوال الاستعمار وانتهاء الشيوعية وبعد عقد من عملية السلام. إن الصراع من أجل الثروة الطبيعية الهائلة ـ ومن أجل الأماكن المقدسة ـ في الركن الجنوبي الغربي من آسيا قد دخلت مرحلتها النهائية وغذتها دماء الآلاف من الشباب العرب الفلسطينيين من الرجال والفتيان والتي كانت هي الحافز لأحداث العنف المروعة.

إن منطق الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والذي تعود أصوله إلى عهد انهيار الإمبراطورية العثمانية بالإضافة إلى إعلان وعد اللورد بلفور المؤيد للصهيونية في عام 1917م، قد بدأت تتكشف معالمه الآن ـ على أنه محاولة يائسة لكنها محسوبة بدقة لفرض سياسة "فرق تسد" للعرب والمسلمين في الشرق الأوسط، وشق واضعاف التزامهم بالإسلام، وفرض سياسة "التغريب" عليهم بكل نفوذها ورموزها، والسيطرة ليس فقط على الاحتياطي الهائل من النفط والغاز بل وحتى على أسعاره وتجارته العالمية. إن هذه المرحلة الأخيرة من الصراع العربي الإسرائيلي الطويل، والذي تدور معاركه الآن في الأراضي المحتلة وغزة بل وحتى في الأراضي الإسرائيلية نفسها، سوف يقدم دعماً لنهضة كل القوى في الشرق الأوسط ولظهور قادة جدد وأجواء عنف جديدة والى خلق ظروف تشجع تجدد الدمار كما تؤدي فيما بعد إلى قيام مؤسسات جديدة وحضارة جديدة.[1]

 

إن الأمة الإسلامية المتجددة ستبدأ في الظهور تدريجياً، كمركز هائل للقوة في العالم، يدعم احتياطي الخليج الضخم من النفط. إن الشهداء الشباب في الهلال الخصيب والمسلحين بالحجارة والأسلحة الخفيفة هم الذين سيكونون البداية لتلك العملية الطويلة والقاسية من البعث الجديد.

 

انهيار الحصن الصليبي

بإعلانها دولة ذات سيادة في 14 مايو من عام 1948م، نجحت إسرائيل ولنحو نصف قرن من الزمان في الظهور بمظهر القوة، والوحدة، وأنها الدولة ـ الأمة التي تسيطر على الأرض المقدسة ولا سبيل لإزالتها، وهي ذلك المخلوق الشجاع والفريد الذي لا يتطرق الشك لقوته ومستقبله. وقد تعزز ذلك الفهم بصورة كبيرة بسبب الأداء القوي لإسرائيل في ميادين الحرب، حيث كان على الجيوش العربية الضخمة، ولعقود من الزمن، أن تتقبل الهزائم والانكسار بشكل متكرر. وبدقة أكثر وعندما بدأت تلك الصورة تتبدل وأخذ الاضمحلال يظهر فان لا أحد حول العالم، وعلى الأخص في إسرائيل نفسها، كان  يرغب في مناقشة ذلك. من جهته استجاب رئيس الوزراء أيهود باراك للرغبة الشعبية المخلصة في وضع نهاية للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان فقام في شهر مايو 2000م ومن جانب واحد بسحب قواته وأسلحتهم الثقيلة إلى ما وراء حدوده الشمالية. ودفع هذا الانسحاب إلى أن يتساءل اليهود في إسرائيل وغيرها عن مدى إخلاصهم للصهيونية. وبدأ اليهود في داخل إسرائيل يتحدثون عن" فقدان إرادة اللاعنف". وهل يستطيع إيمانهم في خلقهم،مع تلك القوة وذلك التوسع ـ ومازالت دولتهم صغيرة ـ كأمة عبرية، ودولة توحدها وتلهمها الديانة اليهودية، أن يترددوا ويحجموا ؟ هناك علامتان تنذران بالسوء لكنهما صحيحتان، تشيران إلى بدء اضمحلال إسرائيل، ذلك الحصن الصليبي في الهلال الخصيب للشرق الوسط. إنها تطورات خطيرة لكنها لم تعد تنكر، وهي تحمل في طياتها الكثير من القلق والخوف وكذلك العنف، لما يطلق عليه عادة بالصراع العربي الإسرائيلي. كلا التطورين سيؤديان لا محالة إلى الثورة والحرب وذلك ما سيدفع بدوره الإسرائيليون إلى البدء في الهجرة وبأعداد كبيرة من إسرائيل:

 

 1/ الانهيار البطئي، ولكنه متصلب، للصهيونية، أو لذلك الأيمان الذي يبلغ من العمر أكثر من قرن، في أن الدولة اليهودية ستوفر الرفاهية والعيش الكريم لليهود وليهود الشتات في أرجاء العالم. إن إسرائيل اليوم في أزمة اقتصادية وسياسية عميقة. إن المعركة تدور الآن في الأراضي المحتلة وهى التي فجرت وزادت من حدة ذلك الانهيار. الكاتب اليهودي الأمريكي المولد والمدافع بعناد عن إسرائيل والصهيونية دانييل بايبز، يسلم في إحدى مقالاته بصحيفة لوس أنجلوس تايمز بأن الروح بين الفلسطينيين، إضافة لمؤيديهم من العرب والمسلمين، تشير الى مرحلة طويلة من العنف لعدد من الأسباب، لكن أهمها أن الفلسطينيين قد أدركوا أن إسرائيل لم تعد هي ذلك البلد القوي. بل هي على النقيض من ذلك بلد ضعيفة ومنهارة ويمكن بسهولة إدخال الرعب عليها بأصغر دائرة من العنف.

إن الحرب الباردة قد أسهمت  بشكل رئيسي في دعم إسرائيل وساندت الإيمان بالفكرة الصهيونية. ومما لاشك فيه أن آلاف الملايين من الدولارات من المساعدات وإمدادات الأسلحة ذات التقنية المتطورة من الولايات المتحدة قد مكنت بدورها اليهود في إسرائيل من تجنب الدخول في اختبار حول مدى إخلاصهم للصهيونية، والتي تمثلت في الانسجام والتناغم بين الساسة البريطانيين والمثقفين من اليهود الأوروبيين ومن النشطاء السياسيين. لقد أدى اقتناع وإيمان المواطنين الإسرائيليين العاديين بقابلية دولتهم للنمو والبقاء، إلى أن يقوموا بدعم ومساندة الدولة بمال وفير من حكومة الولايات المتحدة ومن المانحين من يهود الشتات في أنحاء العالم. إن هذا الإيمان، والمبالغ فيه بصورة دائمة، قد أخذ في الانهيار. إن الجماهير الإسرائيلية وخاصة الشباب، والذين يفهمون الحقيقة جيداً، يطلب منهم تحمل المعاناة والتضحية بلا حدود، وكل ذلك لأسباب مشكوك فيها.

2/ الانهيار البطئي والعنيد للعالم العربي المستعمر، أو لذلك الاعتقاد، الذي يعود لقرن مضى، بفكرة أن الدول وحدودها التي رسمها الأوربيون ستعود بالرفاهية والعيش الكريم لعرب الشرق الأوسط. إن العالم العربي يعيش أزمة اقتصادية وسياسية عميقة. فالمعارك التي تدور الآن في الأراضي المحتلة هي التي فجرت وزادت من حدة ذلك الانهيار. قال لي دبلوماسي عربي، من المهتمين بما يبدو من عدم قدرة العالم العربي على الاندماج في اقتصاد العالم المزدهر "إننا نعلم بأن وضعنا لا يختلف بالضرورة عنا الوضع الذي تواجهه أفريقيا الآن ـ فالدول والحكومات تقوم بخدمة الغرب بدلاً عن شعوبنا ـ وبينما نتفق جميعاً، بصورة خاصة وغير معلنة، مع وجهة نظرك المعقولة فإننا نمتنع عن مناقشة تلك الوقائع القبيحة والمحزنة بصورة علنية. فالكثيرين منا يخشون النقد وتبعات ذلك النقاش".

             إن الحرب الباردة قد دعمت بشكل فعال عدداً من الدول العربية، وساندت الإيمان بفكرة ذلك الخلق الاستعماري الواسع. ومن الواضح مع ذلك أن آلاف الملايين من الدولارات من المساعدات وإمدادات الأسلحة ذات التقنية المتطورة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قد مكنت الكثير من الدول العربية على تجنب الدخول في امتحان حول مدى ولاءهم للدول التي صاغها الساسة الأوروبيون في جهودهم من أجل بناء الإمبراطورية. لقد أدى إيمان واقتناع المواطنين العرب العاديين بمدى قابلية دولهم للبقاء والنمو إلى أن يبحثوا عن الدعم المالي الوفير من قبل حكومتي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. والآن فان ذلك الإيمان، والذي دائماً ما يبالغ فيه، قد أخذ في الانهيار والسقوط. إن الجماهير العربية، وخاصة الشباب منها، يفهمون تلك الحقيقة جيداً، حيث هم الذين يطلب منهم تحمل المعاناة والتضحية بلا حدود، وكل ذلك لأسباب مشكوك فيها.

 

عالم الخيال والحرب

 

ان تاريخ العالم يعطينا الكثير من الدروس والعبر، لكن إحداها يقف ليذكرنا ليس فقط بأخطائنا بل أيضاً بتفضيلنا الغريب لتدمير النفس في الصراع حول مؤسسات وتعهدات اكثر عقلانية. إن هذا الدرس هو في العقل الواعي للإنسان. وهو يشير إلى حالة من الضعف والتي نعرفها جميعاً على أنها وبائية ومدمرة. وهذه هي حالة الخيال، والتي قد تكون من أكثر مظاهر الحياة الإنسانية أهمية. الناس ينكرون الحقيقة أمام أنفسهم، يتراجعون إلى عالم من الأكاذيب وخداع النفس. إن ما يرفضون قبوله هو بالطبع أمر مؤلم جداً تقبله. إن الإنسان، وبسبب الضغوط النفسية ورعب الحياة، يعمل على بناء تفسيرات خيالية، وكل ذلك باسم الدفاع عن النفس. إن هدوء وقوة العقل الإنساني قد تم تعليق العمل بها. وهذا بالطبع هو واحد من أسباب الحرب. إن اليهود في إسرائيل وفي الشتات قد قاموا وخلال سنين عدة بوضع مجموعة من الخيالات المعقدة، توهموا أنهم لن يقهروا وأنهم متفوقون وأن مصيرهم السيطرة على الأماكن المقدسة. والعرب أنفسهم بنوا بدورهم مجموعة من الخيالات المعقدة، عن بواعث الغرب واستراتيجيته، وعن ضعفهم وانقسامهم، وعن فشلهم في استعادة القوة التي كانوا يتمتعون بها يوماً ما.                                                                             

  إن كل هذا هراء، رغم أنه يخدم هدفاً حقيقياً ـ وهو فقدان الحس. إن اليهود يشجعون صورة سلبية عن العرب، وكأن على العرب أن يتقبلوا ما هم فيه من مأزق ومن بؤس. العرب من ناحيتهم أيضاً يشجعون صوراً لا تحتمل التصديق عن مقدرتهم على العيش في عالم بناه لهم الأوروبيون قبل نحو قرن مضى.

 

انه لموقف محزن ومثير للشفقة وقابل أيضاً للانفجار. أنه وضع غير مستقر، وهناك العديد من الأسباب التي تشير إلى أنه يتجه نحو التدهور وربما بشكل سريع جداً. إن المعركة قد بدأت الآن ـ بين من ليس في مقدورهم الدفاع عن أنفسهم من عرب فلسطين وبين يهود إسرائيل المسلحون بالأسلحة الثقيلة ـ مما يعيد واقع الحياة مرة أخرى إلى المقدمة.

 

وكما عاد الواقع إلى الظهور ثانية بشكل أكثر وحشية وإهانة فان الحرب أصبحت محتملة جداً هذا إذا لم يكن من المتعذر تجنبها. تلك الحرب ستكتشف منطقها وحياتها بنفسها. إن التقنيات والاستراتيجيات ستظهر بشكل تلقائي، للحروب التي ينبغي أن تدار بفهم عميق لحدودها وعقباتها. إن حمى الحرب تنتشر بسرعة وأكثر أسبابها عمقاً هو النفط المصدر الطبيعي والضخم للثروة في الخليج الفارسي. فالنفط هو شريان حياة الاقتصاد الصناعي.           

إن الجماهير العربية المسحوقة فقراً والمحرومة من كل الامتيازات لم تعد تود البقاء معزولة عن هذا الاقتصاد المزدهر. انهم يعلمون بأنهم لا بد من أن يحصلوا على نصيبهم من تلك الرفاهية والسلطة. كما أنهم يعلمون بأن لا بد لهم من المشاركة في هذا النمو السريع للعالم الصناعي.

 

انهم يفهمون الآن بأن عليهم أن يقاتلوا من أجل ذلك الحق. انهم يعرفون بأن القوة ـ والقوة وحدها والمتمثلة في الحرب والعنف ـ هي التي تحترم. هذا هو أساس بناء النفس البشرية. فالتفاوض في غالب الأحيان أمر عديم الجدوى ويصور بأنه هو الحل، كما يصفه أصحاب السلطة والثروة بأنه دواء لعلاج كل الأمراض.

 

إن الصراع من أجل الثروة في الشرق الأوسط قد بدأ. ومن المتوقع أن يكون صعباً وخطيراً. انه صراع يظهر في شكله الأولي على أنه حرب دينية. فالرجال والنساء في العالم الإسلامي يخوضون حرب جهاد لاستعادة كبريائهم وقوتهم وحضارتهم ـ وليدمروا عالماً لم يجلب لهم سوى الأسى والبؤس.

 

وكما هو في كل شأن من شؤون الحياة البشرية فان المعارك تكون معقدة جداً، فهي تمتزج بالخداع، أما البواعث والنوايا الحقيقية من تلك المعارك فهي نادرة الظهور، هذا إذا ما ظهرت. لأنها في الغالب تكون مخفية. إن المعارك التي تدور الآن في منطقة الهلال الخصيب لا تستثنى من هذا. ومع ذلك فان هناك دائماً ظاهرة واضحة وجلية ـ وهي عناصر المعركة ـ وتلك الظاهرة هي التي يجب أن يتم التحقيق بشأنها وتحليلها. فالنفط، والحلفاء، والدولار هي أكثر تلك العناصر أهمية.                                   

 

عناصر المعركة

 

برغم العدد الكبير من الصفحات التي ألفها الباحثون حول الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى الرغم من عقود من المقالات التي لا تنتهي أعدها الخبراء والصحفيين، ورغماً عن الوصفات المتعددة الغبية والتافهة للساسة الأمريكيين والأوربيين لحل الأزمة، وبالرغم من حملات الأكاذيب والدعاية المتواصلة والمستمرة لمراكز البحوث والدراسات في واشنطن وغيرها من العواصم الغربية فان هناك القليل ـ أو انه حتى لا يوجد ـ من الجهود للشرح باختصار ووضوح لماذا أن هناك 7 مليون فلسطيني ( داخل الأراضي المحتلة إضافة للاجئين من ضحايا الحروب ) ما زالوا يعانون وهم في حالة معيشية مزرية. تلك الحقيقة المحزنة توحي بأن على هؤلاء الناس أن يقبلوا بمصيرهم، فما يوجد بتلك المشكلة التي يعود عمرها لأكثر من قرن من الزمان من تعقيدات هو ببساطة أمر مروع جداً لا يستطيع أكثر الناس رحمة أو معرفة أن يستوعبوه. إن ما يصوره الغرب على أنه لغز هو في الواقع حيلة ماكرة يستطيعون من خلالها الوصول لأهدافهم الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

 

إن من المؤكد أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي أمر يصعب تحليله، لكن من الممكن شرحه في بضع كلمات وبقليل من الأفكار والمفاهيم.[2]  ويمكن تحقيق ذلك بكفاءة ودقة محكمة عن طريق طرح سلسلة من الأسئلة. فالمعرفة، والتي تتطلب دائماً جهداً لفهمها واستيعابها، يمكن رغم ذلك وضعها في شكل يمكن خشيته وهو ينضح قوة. والمعرفة بهذه الصورة هي سلاح وسلاح مدمر ولذا فان الباحثين قد لفتوا الانتباه للاهتمام بها لفهم العالم.

 

ما هو السبب الرئيسي للصراع العربي ـ الإسرائيلي ؟

 

بينما لم تتم مناقشته أبداً في الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأخرى، فان مما لاشك فيه أن التصنيع الذي حدث لاقتصاديات العالم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد وضع الأساس للصراع العربي ـ الإسرائيلي.  وقد  بدأ الأمريكيون في استخراج النفط لأول مرة في عام 1860 وقد أدركوا بسرعة إن النفط سيكون أداة فعالة في الاقتصاد الصناعي حيث أن التصنيع والاحتراق الداخلي للماكينة يتطلب قدراً هائلاً من الطاقة.

 

بدأ الصراع العربي ـ الإسرائيلي عندما تم اكتشاف النفط لأول مرة في إيران في بواكير القرن العشرين. وقد بدأ عمل أول مصفاة للنفط في إيران عام 1913. وكانت " اللعبة الكبرى "ـ وهو تعبير استخدمه ضابط الجيش البريطاني آرثر كونولي تم إرساله إلى منطقة لآسيا الوسطى في عام 1831  من القاعدة الاستعمارية البريطانية الأمامية في كلكتا بالهند ـ هي سباق كبير للقوى العظمى للسيطرة على الأمم وعلى المواقع الاستراتيجية في العالم. إن اكتشاف النفط ـ وقيمته الكبرى في الاقتصاد الصناعي ـ قد زاد من السباق من أجل السلطة والنفوذ. روسيا وبريطانيا تقاسمتا إيران، وفي هذا الوقت أيقن الخبراء الاستراتيجيين البريطانيين في لندن أن عليهم الاستفادة من كل الوسائل الممكنة لإيجاد موضع قدم لهم في منطقة الخليج الفارسي، حيث الاحتياطي الرئيسي للنفط يقع في مصب  نهري دجلة والفرات.

 

أظهرت الحرب العالمية الأولى بوضوح ودون خطأ لغوي ـ العنف المنظم ـ أن الحرب الميكانيكية، والتي هي بالضرورة قوة الاقتصاد الصناعي الذي يجري تطبيقه على صناعة الحرب المربحة، لن تكون ممكنة دون النفط. ولذا أصبحت بريطانيا مصممة على الفوز بمواقع ثابتة لذلك النفط، وبدأت في تكثيف جهودها للتأثير على جهود دول الشرق الأوسط، والتي تشمل بالطبع إيران. إن الوسائل التي اتبعتها بريطانيا للحصول بواسطتها على موضع قدم في الشرق الأوسط أصبحت بعد قليل واضحة لطموحات الخبراء الاستراتيجيين في لندن. ولعدة عقود من السنين ظل المثقفون اليهود في أوروبا الشرقية وروسيا يتأملون في المأزق الذي يعيشه الشعب اليهودي في أوروبا. أولئك الرجال والذين كانوا يناصرون علناً وجهة النظر الخيالية حول المستقبل، إضافة للاشتراكيين، كانوا يردون بذلك على يأس وقنوط اليهود الأوربيين. إن ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، كان ملحداً، كما كان من المنادين بحماس شديد لابعاد اليهود من أوروبا إلى دولة خاصة بهم. وحمل هرتزل وجهة النظر تلك إلى كل المدن في أوروبا في بدايات عام 1900 ساعياً بالبرهان والحجة للدعوة من أجل الانفصال والعزل العرقي. وقد وجد تعاطفاً في لندن وسط السياسيين البريطانيين البارزين وكبار الماليين اليهود ذوي النفوذ ومن بينهم اللورد ليونيل والتر روتشيلد واللورد آرثر بلفور الذي عمل بشكل مباشر مع اللورد الفريد ملنر والذي كان عضواً بارزاً في حكومة الحرب برئاسة لويد جورج. وهذه هي الطريقة التي كتب بها فيما بعد وعد بلفور المشؤوم. بدون أي مناقشة عامة ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية التي هيأت بذلك فرصة استراتيجية، قام السياسيون البريطانيون باستغلال تلك الفرصة سريعاً وقاموا بصياغة خطة سياسية لتشجيع يهود أوروبا المضطهدين على الاستيطان في أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في الشرق الأوسط، منطقة الهلال الخصيب. وكانت هجرة اليهود إلى فلسطين بطيئة جداً حتى عام 1930، لكن وفي عام 1944 أصبح عدد اليهود يمثل 31% من العدد الكلي للسكان والبالغ 2 مليون نسمة. بدأت أول انتفاضة عربية في عام 1930 واستمرت لسنوات عدة. عمل فلاديمير جابوتينسكي وغيره من المقاتلين الصهاينة عملوا بحماس لضمان سرعة وسلامة الاستيطان اليهودي في فلسطين. ومع إسرائيل ـ تلك القاعدة العسكرية الأمامية للغرب في الشرق الأوسط ـ قامت الحكومة الأمريكية، والتي ورثت عقب الحرب العالمية الثانية بقايا الإمبراطورية البريطانية بالإضافة إلى سعيها للسيطرة على العالم، بإيجاد الظروف الملائمة والتي تسمح لها بالسيطرة على المنطقة وعلى النفط. إن الوجود العسكري الإسرائيلي قد خلق أزمة ونزاعاً وحقداً وغضباً وكراهية وعنفاً وحرباً. وكانت النتيجة قابلة للتنبوء ومفزعة: فواقعياً لم يكن هناك استثمار أجنبي مباشر في المنطقة يحافظ على صناعة النفط؛ حيث كانت رؤوس الأموال تنقل بشكل متواصل إلى نيويورك وزيورخ ولندن؛ وأخذ ظهور الديكتاتوريات العسكرية يتم بدعم وسند بالسلاح والمال من الغرب؛ وهناك أخيراً النفط الرخيص.

 

إن السبب الرئيسي للصراع العربي أل إسرائيلي ليس هو النزاع على الأرض والماء أو الأماكن المقدسة ـ رغم أهمية تلك الأسباب ـ إنما هو على النفط والقوة غير العادية التي يوفرها. إن النفط والسيطرة العملية عليه وعلى تجارته وعلى تنقيته وعلى أسعاره، هي أسباب اندلاع الصراع في بواكير القرن العشرين واستمرت الأزمة في القرن الحادي والعشرين. إن من المعروف الآن أن الغالبية العظمى من احتياطي النفط في العالم موجود في الشرق الأوسط، كما أن من المحتمل جداً أن هناك من الاحتياطات الكبرى التي تنتظر الاكتشاف لتمنح الاقتصاد العالمي عقوداً أخرى إضافية من الطاقة.

 

قبل قرن مضى وعندما كان النفط يعتبر من أكثر الأشياء قيمة ومرغوباً بشدة ـ كسلعة استراتيجية ـ شهد العالم خلاله اندلاع أكثر الصراعات وحشية وحقداً في تاريخ البشرية. ففي السنوات الأولى من القرن العشرين بدأ أكبر انتقال للثروة من الشرق الأوسط إلى العالم الغربي. وكان الصراع حول ذلك الانتقال للثروة. أرادت الولايات المتحدة أن تمنع وقف ذلك الانتقال. حصل الغربيون على ذلك الكم الهائل من الطاقة من الشرق الأوسط، واستغلوا تلك الطاقة بشكل كامل وبثقة وبحرية كاملة ـ وأستمر ذلك حتى أكتوبر من عام 1973. عندما قام العرب والمسلمون، والذين أقاموا منظمة الأقطار المصدرة للنفط في 1960، عاقدين العزم على تحدي سيطرة الغرب على شريان حياة الاقتصاد الصناعي.

 

لماذا تزداد أزمة الشرق الأوسط الآن حدة، وتتحول إلى معارك صغيرة ضارية بين العرب الفلسطينيين المسلحين بأسلحة خفيفة واليهود المسلحين بأسلحة ثقيلة ؟

  

إن المؤرخين ورجال السياسة ينفرون من الاعتراف بذلك، لكن، الدبلوماسية والسرية والتآمر قد لعبا دوراً كبيراً في التاريخ، وفي العلاقة التي كانت بين الحكومة من جهة والمؤسسات من جهة ثانية أو بين الجماهير، فيما إذا كانت تلك الجماهير متعلمة أو جاهلة. هذه هي الطبيعة الإنسانية. إن الاندفاع نحو السلطة والثروة، نحو المعرفة والفهم، ونحو الانتقام ـ كل الدبلوماسيين من ذوي الخبرة يعرفون أن تلك الصفات تسيطر على السلوك الاجتماعي في الإنسان ذلك الحيوان المعقد. وهذا ما يعطي لحياتنا معنى. لذا فانه وبينما تحصل إسرائيل على 40% من حاجتها المائية من الأراضي المحتلة، حيث هناك الآن حوالي 200 ألف مستوطن إسرائيلي في المناطق المحتلة، وبينما يستمر ذلك الاحتلال العسكري للأراضي، وبينما هناك الملايين من الفلسطينيين لاجئين، وبينما يستمر بناء المستوطنات في الأراضي العربية، وبينما دخل الفلسطينيين صغير ومنكمش، وبينما تزداد النسبة المئوية للسكان الفلسطينيين الذين يعتمدون في معيشتهم على إسرائيل ـ فقد يكون لدينا انطباع بأن ذلك الازدياد في حدة الأزمة يمكن أن يفهم على أنه ثورة وغضب للعرب الفلسطينيين، على ما هم فيه من مأزق وعلى الاحتلال العسكري لأراضيهم بواسطة اليهود الإسرائيليين، والذي يجري تمويله بالطبع ودون قيد أو شرط بواسطة الحكومة الأمريكية.

 

تلك لحقائق المروعة، وما خلفته من كثير من الظلم والكراهية، لا يمكنها أن تشرح جيداً الازدياد الحالي في حدة الصراع العربي ـ الإسرائيلي. إن ما ينكره الإعلام الغربي والذي هو أمر ينذر بالسوء، هو دور السياسيين والخبراء الإستراتيجيين الأمريكيين في المعركة التي تدور حالياً. إن المذابح التي تلحق بالشباب والأطفال في معارك الشوارع ـ هي نتيجة مباشرة لعدة أحداث في الشؤون الدولية. 
إن من الواضح أن حكومة الولايات المتحدة تواجه خطر فقدانها لتلك الثروات القيمة والحرجة المتمثلة في نفط الشرق الأوسط، والتحالفات العسكرية مع الأوربيين وعرب الخليج وكوريا الجنوبية واليابان، ومكانة الدولار كعملة احتياطية للعالم. وبدون تلك الثروات فان الولايات المتحدة لا تستطيع أن تأمل في المحافظة على ما لديه من سيطرة دولية في القرن الحادي والعشرين، لأنه وبدون تلك السيطرة فان رفاهيتها وثرواتها ستكون في خطر. ويمكن أن تصبح أميركا أقل قوة ووفرة في القرن الجديد. وما هو واضح أيضاً أن هناك ثلاثة تطورات في شؤون العالم ـ وهي نتاج للطبيعة بشكل عام ويتوقع تطورها ـ قد خلقت حالة ينظر إليها الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن على أنها تنذر بالخطر. وقد وصل يأسهم إلى درجة لم يسبق لها مثيل، وأول ضحايا هذا اليأس المتنامي هم الشهداء الصغار من الفلسطينيين. إن أميركا قد استطاعت وخلال الخمس عقود الأخيرة أن تقوم وبفاعلية كبيرة من تنمية اقتصاد عالمي حقيقي، وكذلك استراتيجية عسكرية تقوم على التكنولوجيا المتقدمة وأسلحة الدمار الشامل، وعلى صناعة الاتصال الجماهيري ذات التقنية المتقدمة على نطاق العالم. ومع النهاية المفاجئة وغير المتوقعة للحرب الباردة في عام 1989، فقد أصبحت تلك التطورات الثلاثة أعظم قوة وتأثيراً على المصالح الكبيرة لأميركا في الشؤون الدولية. وقد أعطت الحرب الباردة الحجج للأميركيين ـ عسكرياً وأخلاقياً ـ للتدخل في شؤون أوروبا وآسيا.                 

 

وقد شهدت تلك التطورات الثلاثة نجاحاً مذهلاً، لكن التبعات التي لم تكن مدهشة، قد أعطت ميلاداً لعالم لا يستطيع الأميركيون الاستمرار في قيادته والسيطرة عليه. وقد آلاف الملايين في العالم في إدراك مدى ما لديهم من قوة. والذين لن يتسامحوا بعد اليوم في معاملتهم باحتقار من قبل الولايات المتحدة والغرب: [3]

                                                                                

1/ خلق اقتصاد عالمي والذي أدى بدوره إلى إيجاد بيئة تستطيع الكثير من الدول الفقيرة والضعيفة أن تزيد من مدخولاتها ومن قوتها، وبذلك سيتمكن الضعيف الفقير ، من خلال استراتيجية ملائمة، من تحدي الولايات المتحدة.

 

 2/ خلق استراتيجية عسكرية عالية التقنية أدت بدورها إلى إيجاد بيئة أظهرت الأميركيين حول العالم بأنهم جبناء مسالمين، وتمكن بذلك الفقير الضعيف، من خلال استراتيجية ملائمة، من تحدي الولايات المتحدة.

 

 3/ أدى إيجاد تقنية عالمية لصناعة الاتصال الجماهيري إلى إيجاد بيئة أصبح فيها حوالي خمسة بلايين شخص غالبيتهم من الفقراء ويعيشون على مدخولات بائسة مقارنة بالغرب، هم الأكثر تعليماً وعلماً بما يواجهون من مأزق وبما يعانون من ظلم واضطهاد يدمر حياتهم، وتمكن أولئك الفقراء الضعفاء، ومن خلال استراتيجية ملائمة، من تحدي الولايات المتحدة.

 

هذه البيئة والتي هي عالمية في مداها، هي السبب الحقيقي في شدة الازدياد الحالي لأزمة الصراع العربي الإسرائيلي. إن الحكومة الأمريكية الآن ومع بزوغ شمس القرن الحادي والعشرين تواجه مخاطر فقدان نفط الشرق الأوسط. فمنذ عقد مضى وعقب نجاح غاراتهم الجوية المكثفة على العراق في حرب الخليج، كان الخبراء العسكريين الأمريكيين واثقين جداً من أن سيطرتهم على الشرق الأوسط وحقول نفطه ستقودهم إلى عهد جديد في شؤون العالم، " نظام عالمي جديد ". وتم فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على العراق. كما فرضت عقوبات اقتصادية على ليبيا وإيران. وكان من المتوقع أن يفقد القوميون العرب والأصوليون الإسلاميون أو الإسلاميون في كل المنطقة الحماس لقضيتهم. وفي عام 1998 بدت منظمة الأوبيك وكأنها منظمة فاشلة، اتحاد من المنتجين لا قوة لهم مهما كانت، وكانت تلك هي وجهة نظر الكثيرين ومنهم مركز دراسات أحمد زكي يماني في لندن ( يماني كان وزيراً للنفط السعودي من 1962 الى1986 ).

 

اتضح الآن أن وجهة النظر تلك كانت غبية بشكل كامل. فالعقوبات التي فرضت على العراق أخذت تهزأ بها العديد من الدول وعلى الأخص الأوروبية والعربية. كما أخذت تنهار وتتكسر أيضا العقوبات المفروضة على إيران. وبدأت إيران ودول الخليج العربية، وبصورة مفاجئة، في تحسين علاقاتها الدبلوماسية،  وشرعوا في التفكير في عقد صلات تجارية معها. ومؤخراً صرحت الحكومتان العراقية والإيرانية أنهما بصدد العمل معاً من أجل توحيد العالم العربي والإسلامي والذي انقسم بشدة خلال حقبة الحرب الباردة. وأصبح للقومية العربية المنبعثة من جديد وكذلك للإسلاميين دوراً أكبر ومصداقية في الشارع. 

 

منظمة الأوبيك ومنذ بداية عام 1999 أصبحت ولأول مرة، منذ تأسيسها قبل 40 عاماً، اتحاداً حقيقياً للمنتجين يمتلك قوة فاعلة. هنالك الآن مفهوم أخذ ينمو ويتعمق بأن على العرب وإيران، المنتجين الرئيسيين في المنظمة، أن يعملوا معاً لحماية ثرواتهم. وكانت النتيجة لذلك الاتحاد والتضامن الذي لا مثيل له واضحة: فسعر النفط الخام تضاعف لأكثر من 3 مرات في أقل من سنتين. العالم العربي والإسلامي اخذ يخرج الآن من حالة اليأس الروحية والاقتصادية الطويلة. بإثارة الصراع في الشرق الأوسط فان الحكومة الأمريكية يمكنها أن تحاول إعادة إحياء الظروف التي كانت متوافرة أيام الحرب الباردة: حيث يجب حماية النفط وأسعاره الرخيصة وضمان مروره من خلال الخليج إلى المحيط الهندي. كل هذا من الممكن توفيره بواسطة الولايات المتحدة.

 

الأحلاف العسكرية التي كانت لها مع الأوروبيين ومع عرب الخليج وكوريا الجنوبية واليابان. فقبل عقد من الزمان وعندما سقط حائط برلين وتمزق الاتحاد السوفييتي إلى دويلات، كان هناك فرح وسرور في واشنطن وبدا انه لم يكن هناك ما يقف أمام السيطرة الأمريكية على العالم. فالقوة الاقتصادية والمالية للولايات المتحدة ستتدعم بواسطة تفوقها العسكري الذي لا يقهر في كل ركن من أركان العالم. لكن السيطرة على العالم بقوتها العسكرية يتطلب موافقة شركائها على السيطرة الأمريكية في الشؤون الدولية، وفي مؤسسات برايتون وودز وفي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالإضافة إلى الأمم المتحدة.

 

إن ذلك أمر غير واقعي، فبينما أن الناتج الأمريكي في الاقتصاد العالمي يرتبط بشكل طبيعي في علاقته مع نمو القدرة الاقتصادية لأوروبا وآسيا فان الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن سيجدون صعوبة متزايدة في إخافة أو حتى تهديد الأمم الأخرى حول العالم. الأحلاف العسكرية ستخضع للتفحص الدقيق الآخذ في التنامي. واستراتيجية القوات المسلحة الأمريكية " التواجد المتقدم " فإنها على الأرجح قد تلقى الرفض بسبب عجزها. إن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا وآسيا سيبدو، وكما ينمو الاقتصاد العالمي والذي هو فعلاً كذلك، نتاجاً منطقياً للحرب العالمية الثانية وكرد فعل ذكي للغزو السوفييتي والحرب الباردة. فهناك أحلاف جديدة الآن آخذة في التكون. بإثارة الصراع في الشرق الأوسط فان الحكومة الأمريكية يمكن أن تحاول إعادة إحياء الظروف التي كانت ملائمة إبان الحرب الباردة: حيث الأمم التي نمت معتمدة على " الحماية " العسكرية الأمريكية، قد بدأت أعادة النظر في مصالحها في البقاء مستقلة عن تلك العلاقة الأمنية ، وتختار الحفاظ على أحلاف عسكرية مناسبة ( ورخيصة ) مع واشنطن. إن أمن العالم يجب أن يضمن، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق القوة العالمية للولايات المتحدة.

 

موقف الدولار كاحتياطي للعالم من العملة. غالبية الاقتصاديين الدوليين ظلوا مندهشين خلال العقد الأخير من مرونة الدولار وقوته، حيث أن من المؤكد بأن صندوق النقد الدولي قد تنبأ، وبصورة خاطئة ومتكررة، بنمو أقل وضعيف للدولار وللاقتصاد الأمريكي. وحديثاً وصف الكاتب الأمريكي روبرت جيلبن، والذي تلقى كتاباته وتحليلاته احتراماً على مستوى المصارف المركزية، وصف الاقتصاد الأمريكي بالآتي: " خلال الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين وصل العجز التجاري وميزان المدفوعات الأمريكي أعلى معدلاته القياسية. فمنذ أوائل الثمانينات استدان الأميركيون حوالي 5 ترليون دولار من عدد من الدول المقرضة وخاصة اليابان، وذلك لتمويل استهلاكهم واستثماراتهم. وفي منتصف الثمانينات تحولت الولايات المتحدة من مكانتها التي كانت عليها عقب الحرب العالمية الأولى كأكبر دولة مقرضة في العالم لتصبح أكثر دولة مدينة. فإذا استثنينا الاستثمارات الأمريكية فيما وراء البحار فان إجمالي الديون الأمريكية الدولية في نهاية التسعينات من القرن العشرين وصلت إلى ما يقارب 1 ترليون دولار. وكنتيجة لذلك فان قسماً معقولاً من الميزانية الفيدرالية يجب أن يوجه لتسديد فوائد ذلك الدين الضخم والمستمرة في الزيادة. " إن تبعات ذلك السلوك واضحة ـ وفرة من الدولارات على نطاق العالم. في منتصف التسعينات بدأ انخفاض حاد ومتوقع للدولار الأمريكي، لكنه عاد وانتعش بعد قليل من السنين، أما تجارتها الدولية فقد أصبحت متقلبة أكثر فأكثر منذ ذلك الوقت. وما زال الأمريكيون يمولون بكفاءة حفلات السمر الاقتصادية والمالية. وحتى الآن لم يظهروا أي نوع من التراجع من تلك التصرفات الطائشة المتهورة. ويقدر الاقتصاديون أن العجز سيصل هذا العام إلى ما يفوق 440 بليون دولار. لكن اقتصاد العالم يختلف اليوم كثيراً مقارنة بعقد مضى من الزمان أو أكثر، فعملة اليورو ورغم التشكيك فيها من قبل الولايات المتحدة فإنها تظهر الآن كعملة قوية رغم فقدانها لأكثر من 30% من قوتها في مقابل الدولار منذ أن بدا العمل بها في يناير من عام 1999. إنها ليست علامة على ضعف اليورو بقدر ما أنها مؤشر على أن المؤسسات الأوروبية والمتعددة ترغب في اختراق الأسواق الكبيرة الناشئة.             

الآسيويون أيضاً وفي مقدمتهم اليابان، أخذوا يتحدثون عن خططهم للاستقلال الاقتصادي والمالي. انهم يريدون إقامة صندوق نقد آسيوي. وقد حازت تلك الفكرة على الكثير من الغضب في واشنطن، ورغم ذلك فان المسؤولين في المنطقة يرغبون في المضي قدماً في هذا المشروع. حرص الشريكين الاقتصاديين والماليين لأمريكا وهما أوروبا وآسيا على المحافظة على مناطق نفوذهما وقوتهما. ويشكل هذا تحدياً اقتصادياً للولايات المتحدة على المدى البعيد، وخطراً حقيقياً على سيطرة الدولار على الاقتصاد العالمي وعلى الدولار نفسه كعملة احتياطية، كما قد يؤثر ذلك على تجارة النفط العالمية والتي تتم بالدولار.

 

باثارتها الصراع في الشرق الأوسط، فان الحكومة الأمريكية يمكنها خلق حالة مشابهة لفترة الحرب الباردة، حيث يستعيد الدولار " ملاذه الآمن " كرأسمال للعالم يهرب ليحتمي بنصف الكرة الغربي المنعزل كلما لاحت أزمة أو حالة من عدم الاستقرار. ان هذه الميزة هي أعظم ثروات أمريكا عزلتها الجغرافية من عنف واضطرابات العالم.

 

لماذا ارتفعت أسعار النفط في الشهور الأولى من عام 1999 من حوالي 10 دولار للبرميل الى السعر الحالي والذي يزيد عن 30 دولاراً للبرميل الواحد؟ هنالك ثلاثة تطورات حدثت خلال الثلاثة عقود الأخيرة، ثلاثة تطورات أطلقت العنان وحررت الطاقات الابداعية والروح الايجابية للانسانية، جمعت بلايين البشر حول العالم ليدركوا أن جهدهم واسهامهم في حقل المعرفة هو أمر هام جداً، بل هو بالتأكيد أساسي ولا غنى عنه. تلك التطورات والتي تعود بالذاكرة الى الوراء هى المسئولة عما عرف بعصر جديد من " اقتصاديات الطاقة " والتي انطلقت فجأة وبعنف وذلك في الشهور الأولى من عام 1999. هذا العصر الجديد هو الذي سوف يسيطر دون شك على القرن الحادي والعشرين. حيث لا أحد يريد ان يعترف بالحقيقة القبيحة، فنحن ندخل مرحلة سوف تعرف بـ " أزمات الطاقة " وتتميز بظهور الندرة في النشاط الاقتصادي وما سيتبع تلك الندرة من ارتفاع الأسعار.

 

ان أثرياء العالم أو البليون مواطن غربي، وهم سكان 29 بلد عضو في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والذين تسمح لهم دخولهم العالية بالقدرة على استهلاك كميات كبيرة من البترول ودفع أسعار عالية لتلك الطاقة، يشاركون العالم الآن، والذي يتطور صناعياً بسرعة، في عدد سكانه البالغ 5 بلايين نفس، سيكون غالبيتهم مستهلكين للبترول خلال العقود القادمة. هؤلاء البلايين من المستهلكين الجدد للطاقة لن يكون في مقدورهم بالطبع أن يدفعوا الأسعار العالية التي يدفعها الغربيون ثمناً للبترول. ان ما يعد أمراً غير واضح هو لماذا أخذت منظمة الأوبيك كل هذا الوقت الطويل لاكتشاف هذه الحقيقة ولاتخاذ قرار حازم لاستغلال ما لديها من طاقة اقتصادية تزداد كل يوم نمواً وأهمية. ان العالم يتغير بسرعة مرعبة وبتطرف. وقد بدأت هذه التغييرات مع نهاية حرب فيتنام في عام 1975، وأكتسبت زخماً جديداً في بداية الثمانينات عندما رفض الزعيم الصيني دينج زياو بينج الشيوعية وأعتنق بكل سرور الرأسمالية. أما التطور الأخير فقد حدث في عام 1989 عندما رفض الأوروبيون والروس في شرقي القارة السجن والبؤس الذي تعيشه الامبراطورية السوفيتية وعبروا عن رغبتهم القوية في الحرية والرخاء. ثلاث أزمات رئيسية انتهت ( الشيوعية هى بالضرورة شكل من أشكال الأزمات المدنية ) وجلبت السلام والتنمية الاقتصادية.

 

ان انتهاء تلك الأزمات قد قدم لبلايين البشر على كوكب الأرض العالم الذي يتمنونه بشدة وسيحاربون من أجله، عالم ذو اقتصاد صناعي متطور بسرعة،عالم يجدون فيه الاحترام والكرامة للانسان، ويجدوا فيه الحرية لرفع مستوى معيشتهم.

     في أوائل السبعينات استهلك الغرب أكثر من 75% من بترول العالم. وتستهلك الدول الفقيرة، والتي يطلق عليها الاقتصاديون الدول النامية، حوالي 40% من انتاج العالم. التصنيع في آسيا استهلاكه من الطاقة يبلغ متوسطه السنوي أكثرمن7%. ان الذي حدث للاقتصاد العالمي في العقدين الأخيرين ربما يعتبر واحداً من أكثر الأحداث العميقة جداً في تاريخ الانسانية. ومازال الباحثون الاقتصاديون في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يجاهدون من أجل الامساك بمعناه وأهميته. فهناك انتقال كبير للثروة قد أخذ يحدث. ففي العقد الماضي كان ناتج الاقتصاد العالمي قد تحول من الغرب الى الشرق، الى الصين وباقي اقاليم آسيا. ويتوقع أن تنضم الهند قريباً الى التصنيع. وقد تحولت البراعة التصنيعية للولايات المتحدة وأوروبا الى آسيا تلك القارة الهائلة السكان، وهذه العملية الضخمة لا زالت مستمرة. هناك تأثيران لهذه العملية غير العادية، حيث تعزز أولاً مردود الاقتصاد العالمي وزادت انتاجيته بسبب الأيدي العاملة الرخيصة، وذلك كما في مستويات المعيشة للغربيين، وثانياً ان اقتصاديات الغرب، وهى أقدم الاقتصاديات التصنيعية، قد بدات تفقد الى حد بعيد قدراتها التصنيعية، وبدأت تقلل بالتالي من اعتمادها على البترول. وهذا ما يشرح حالة الرضا التي يعيشها الغرب وما يتمنونه، وقد ظل ذلك الشعور حياً حتى الشهور الأولى من عام  1999 [4].

 

ان هذا قد يبدو أمراً مزعجاً بل مخيفاً، لكننا في الواقع ندخل هذا العصر الجديد بالعديد من التحذيرات من الماضي. وهذه تعد بحق هى المرحلة الرئيسية الثانية فيما يمكن أن نصفه بمراحل التعقيدات المتعددة والتي ربما تكون هى أكثر عنفاً لأزمات متلاحقة. وقد تحدث صدام حسين في سبتمبر من عام 2000 بكل فظاظة عن المشكلة قائلاً " ان الدول العظمى ستشدد من قبضتها على الدول المنتجة للنفط، حيث ان ما يحتاجونه من نفط أخذ ينذرهم بالخطر، مما يعني أنهم قلقون بشأن كميات النفط الموجودة في العالم ". ان المرحلة الأولى من هذه المشكلة بدأت مع اقتناع ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر والزعماء الأسرائيليين في أوائل السبعينات، بان ايران يمكن أن تصبح، تحت سيطرة الدكتاتور الشاه، عميلاً لأمريكا في الشرق الأوسط. وكانوا يرون بأنها من الممكن أن تنمو لتسيطر على الشرق الأوسط عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، كما يمكن أن تكون حليفاً مهماً لأسرائيل. ولتنفيذ هذا الدور الطموح، فان ايران ستحتاج لمكافاتها على ذلك بزيادة دخلها اضافة على ما لديها من احتياطي هائل من النفط، لذا فقد عمل نيكسون وكيسنجر، بشدة وفي سرية تامة، لحث دول الأوبيك على زيادة أسعارها أربعة أضعاف أسعار عام 1973. وبقيادة ايران يصبح العرب والمسلمين " غربيين " بشكل كامل ودائم، ويصبح الربح العائد وغير المتوقع من ارتفاع أسعار النفط هو الوسيلة التي يمكن بواسطتها اخضاع هذه المنطقة ذات القيمة العالية من العالم. وقد صرح في عام 1983 مانع سعيد العتيبة، وزير النفط في دولة الامارات العربية المتحدة حينها لصحيفة النيويورك تايمز، بأن ادارة الرئيس نيكسون هى التي شجعت الأوبيك على زيادة الأسعار لأربعة أضعاف في عام 1973. ان استراتيجية تسليح الشاه بأموال طائلة من عائدات النفط وبترسانة من الأسلحة الباهظة التكلفة في عام 1979، قد أثبتت أنها سياسة غبية بشكل مطلق، وذلك عندما قام الطلاب الايرانيون باسقاط الحكومة الايرانية المسنودة بالتمويل والتعذيب الأمريكي. ان الاسلام هو الذي خلق هذه الثورة والاسلام هو الذي سيحيي من جديد كبرياء واستقلال الفرس. وهنا استيقظت شعوب الخليج على القوة التي تكمن تحت أقدامهم، والتي يمكن أن تكون لهم بمثابة المنجنيق والحافز لوحدة اقتصادية وسياسية للمسلمين.  المرحلة الثانية جرت في الشهور الأولى من عام 1999. لقد مرت ثلاثة عقود من الزمن والآن بدأ السنة والشيعة في الخليج، وهم المنتجون الرئيسيون للنفط، يكتشفون قوتهم الهائلة. لقدوا بدأوا العمل معاً من أجل التوحد في كتلة واحدة تستطيع أن تتحدى سيطرة الغرب الغني. كما شرعوا الآن في عملية المطالبة بثرواتهم الطبيعية والتي يصبح الاقتصاد العالمي بدونها مشلولاً ولا حول له ( لأعضاء الأوبيك 77% من الاحتياطي العالمي من النفط ). فأطلقوا وبكل حماس في يناير 1999 برنامجهم للتجديد، وبدأوا في خفض صغير لكنه مركز لانتاجهم. وهكذا استطاعوا رفع سعر النفط الخام من أدنى حد له وهو 10 دولار للبرميل الواحد. وقد أيدوا كل ما من شأنه المحافظة على التزامهم العمل  من أجل حقهم في الدخول في الاقتصاد الصناعي العالمي المزدهر، حيث لم يحدث الا نادراً أي حالات غش أو تجاوز لحصة الدولة من الانتاج. وقد استطاعوا اقناع المكسيك وسلطنة عمان وروسيا والنرويج على المشاركة معهم. وهكذا بدأ انتقال عالمي لتلك الثروة الضخمة يأخذ مكانه.

 

ذكر لي محلل سياسي كبير ومسؤول في الحكومة الأمريكية ومن الذين يلتقون بصورة منتظمة بوزراء نفط الأوبيك, أن كتاباتي ودراساتي قد لعبت دوراً في حدوث مثل ذلك الانتقال، مضيفاً بأنني السبب في الهام الدول الأعضاء في الأوبيك ليعملوا معاً لجعل تجمعهم يعمل بكفاءة. لقد وزعت في جميع انحاء العالم مقالتي انتقام العرب: صدام حسين، البترول كرأسمال و " عملية السلام " في نوفمبر 1998. وقد نشرت تحت عنوان العرب وأقدارهم وذلك في يناير 1999. ان المعرفة يمكن أن تكون مؤثرة جداً. ليتوافق والتضخم فان 30 دولاراً للبرميل لا يعد سعراً عالياً مقارنة بأوائل الثمانينات عندما بيع البرميل بـ40 دولاراً بل وأكثر.                                              رغم محاولات السياسيين الأمريكيين رسم صورة من لا يغلب بسبب قوته وسلطانه، وأن المستهلك له السيطرة وله الكلمة الأخيرة في العلاقة بين المستهلك والمنتج، الا ان ما صرح به صدام حسين والذي سبق ذكره لايمكن انكاره وتجاهله. في منتصف عام 1998 صرح فرانكو بيرنابي، المدير التنفيذي لشركة النفط الايطالية وكبير  الاقتصاديين السابق  لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لمجلة فوربس " ان مقدار الاكتشافات النفطية الجديدة في العالم قد انخفضت من 41 بليون برميل في العام في سنة 1962 الى 5 بليون برميل فقط في العام حالياً... انني اتنبأ بانه بين عام 2000 وعام 2005 سيصل العالم الى ذروة انتاجه من الحقول المعروفة اليوم وبعدها سيأخذ الانتاج في التناقص... وهذا بدوره سينقل القوة في سوق النفط الى منطقة الخليج".

 

لماذا تؤيد حكومة الولايات المتحدة اسرائيل دون قيد أو شرط ؟

 

ان ما ظل يوصف طيلة عقود مضت من السنين بواسطة المؤرخين والباحثين الغربيين بالمصالح الحيوية للأمة، كمسعى لسياسة واقعية، هو ليس اكثر من ملاحظة لمصلحة ذاتية، أو هو تفسير لما هى الثروات التي يجب على الأمة أن تحافظ عليها باي ثمن وتقوم باستغلالها. ان هذا قرار استبدادي بنى على تحليلات غير دقيقة ولا يعول عليها كثيراً عن عالم شديد التعقيد وغامض وفي تحرك مستمر. في تلك الأيام المثيرة التي أعقبت الانتصار الأمريكي على القوى الفاشية قبل نحو نصف قرن من الزمان، اتخذ القادة الأمريكيين قراراً مشؤوماً، رغم أنهم كانوا مقتنعين رغم كل الشكوك المقنعة أن ذلك القراركان حكيماً وعاقلاً، وأن ذلك سيثبت في المستقبل أثره المكلف. أنه قرار اتخذ بناءاً على وجهة نظرهم وتفسيرهم للتاريخ وللعالم. وبعد جدل متعجل بين الرئيس هاري ترومان ومستشاريه، قرروا بعدها وضع كل القوة الكبيرة خلف الدولة الشابة دولة اسرائيل، واضعين بذلك في خطر علاقاتهم مع عدد كبير من الدول العربية في الشرق الأوسط. قد يعتقد البعض بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد تم اكتشافها قبل قرنين من الزمان بروح المثالية والثورة، لكنه كان خلف تلك البلاغة الملهمة روح براجماتية صلبة وباردة. بالطبع لقد عمل المستعمرون في نيوانجلند نحو الحرية لكن الدافع الأكبر لثورتهم كان هو المال، الاقتصاد والتمويل وتدفق النقد، أكثر مما كانوا يدعونه ثورة من أجل حكومة العدل وحكم القانون. لقد كان الأمريكيون دائماً، ومازالوا بالطبع، يرغبون أساساً في امتلاك الثروة والقوة ورأس المال. ان التأييد غير المشروط الذي أعطى لأسرائيل منذ عام 1948، رغم آمال وأماني اليهود الأمريكيين، قد بنى على الاقتصاد، على افتراض أن ذلك التأييد ـ أو ذلك الاستثمار المالي ـ سيؤدي في بعض المراحل الى تقسيم صحي. ان السؤال الذي يظل دون اجابة، رغم أننا ظللنا نسمع نقاشاً مستمراً يشدد على نبل اسرائيل ومواصفاتها الملهمة، هو ما اذا كانت الاعتبارات الأخلاقية قد لعبت أبداً أى دور حقيقي أو ذو قيمة في قرار أمريكا بتاييد اسرائيل دون قيد او شرط. لقد قدم الكونجرس الأمريكي لاسرائيل في خلال 52 سنة الأخيرة، والتي يبلغ عدد سكانها حالياً حوالي 4.8 مليون يهودي، حوالي 92 مليون دولار من المساعدات الأجنبية. ريتشارد كيرتس، أحد كبار الدبلوماسيين الأمريكيين الذين قضوا معظم حياتهم العملية في الشرق الأوسط، صرح مؤخراً قائلاً " أن هذا المبلغ يعتبر أكثر مما قدمته الولايات المتحدة لكل أقطار شبه الصحراء في افريقيا ولأمريكا اللاتينية والكاريبي مجتمعة حتى منتصف عام 1999 بعدد سكان يبلغ بليون و 142 مليون نسمة ". ان مبلغ 92 بليون دولار هو استثمار ومن المتوقع أن يأتي بفوائد اقتصادية ومالية.

 

ان الزعماء الأمريكيين يدركون أن تأييدهم  غير  المشروط لأسرائيل هو جزء من " مصالحهم الحيوية ". هنالك أربعة أسباب واضحة ولا يمكن انكارها توضح لماذا ظل هذا التأييد والدعم مستمراً وبكرم طيلة خمسة عقود من الزمن، وبينما يمكن أن يخلق هذا صورة مأساوية ومحزنة، فاننا يجب مع ذلك أن نتذكر أونستعيد المظاهر المؤسفة والتي لا يمكن انكارها على حالة الانسان. فقط في الادراك المتأخر هل نرى المنطق ـ وبحماقة ـ عن سلوك الأمم؛ فقط بالتحليل الهاديء هل نقدر امتداد دهشتنا، وقابليتنا لارتكاب الأخطاء، عدم وعينا وغباءنا. ربما ليس من المستحسن أو حتى المدهش، أن يؤيد القادة الأمريكيون ومعهم نخبة الأمة ودون قيد أو شرط اسرائيل لهذه الأسباب:

 

الأمريكان يؤمنون بتفوقهم، وأن باقي العالم قد وقعوا ضحايا لعدم الخبرة، الجهل، والتعصب الأعمى، والعنصرية، والفساد. فبينما يحمي المحيطان الهادي والأطلنطي الولايات المتحدة ويوفرا لمواطنيها ملاذاً مادياً ومعنوياً بعيداً عن العنف والكراهية في العالم، فان هذين المحيطين قد بنيا حاجزاً من الوهم غير الواقعي عن أنفسهم. ان النخبة الأمريكية تؤمن بأن رد فعلها قد تم توجيهه بالعدل وبالمعلومات الاستخبارية الدقيقة. ان الحقيقة في الواقع مزعجة، فعلى الرغم من ثروتهم وقوتهم فان القادة الأمريكيين هم الأقل في العالم خبرة، وهم جهلاء، متعصبين، عنصريون وفاسدون.

 

الأمريكيون يؤمنون باكتشافاتهم ودعاياتهم هم فقط حول كيف يعمل العالم وكيف يتحرك. ويعود هذا دون شك الى النجاح العظيم والرفاهية التي استمتع بها الأمريكيون خلال القرن العشرين، وانتصاراتهم في كلا الحربين الأولى والثانية وفي الحرب الطويلة الباردة، وكذلك دعمهم الثابت للرأسمالية العالمية والحرية. لقد صمدوا في وجه المحن العظيمة وتغلبوا عليها، وأدت ثقتهم الى أن تحدث أو تنتج نظريات جديدة وقوية حول كيف يعمل العالم ويتحرك. ان تلك النظريات لم تختبر وبنيت على الأماني لذلك كانت غير ذات علاقة بالموضوعز ان الشء الهام والحرج أن تلك النظريات قد جرى تصديقها والايمان بها. وفي النهاية فان العالم قد تكيف وفقاً لتلك الأفكار. ان الأمريكيين قد آمنوا بأنهم قد تمكنوا من " تغريب " العرب والمسلمين في الشرق الأوسط. ورغم الحقيقة والواقع ـ رغم الواقع على الأرض في الركن الجنوبي الغربي من آسيا ـ فان هناك ايمان عميق وعنيد في واشنطن ونيويورك بأنها لم تعد سوى مسألة وقت قبل أن تكتسح القيم والعادات وأساليب الحياة الغربية بنية المجتمع " الأقطاعي " للعرب والمسلمين. وبهذا المعنى فان الاسلام كدين ومعتقد سوف يتفسخ وقريباً فان الغرب بقيادة الولايات المتحدة سوف يسود العالم.

 

الأمريكيون يؤمنون بالقدرة الفطرية وبالاستخبارات، وبكفاءة وشجاعة اليهود الأشكانيزم، أو اليهود الذين جاءوا من أوروبا وروسيا. فمنذ ان قام القادة الأمريكان بتشغيل فريق موهوب من العلماء والمهندسين اليهود الأوربيين المولد لتصميم وبناء الأسلحة النووية في لوس ألاموس خلال أوائل الأربعينات من القرن العشرين، فانه ومنذ ذلك الوقت أخذت المؤسسات الأمريكية في معرفة واحترام مدى قيمة الاسهامات العلمية لليهود الأشكانيزم، ان اسهاماتهم لاشك مثيرة للأعجاب.لخص دينيس براجر وجوزيف ثيلوشكن، تلك الأسهامات والمنجزات حيث أشادا بجدارة وأمتياز اليهودية في كتاب نشر عام 1983: " انه ليس شيئاً غريباً... ان اليهود رغم أن عددهم أقل من 3 % من عدد السكان الأمريكيين، الا انهم حصلوا على 27 % من جائزة نوبل للعلماء الأمريكيين، فاليهود يمثلون في مجال الطب 231 % بالنسبة لعدد السكان، وفي الفيزياء 478 % وفي الأسنان 299 % وفي القانون 265 % وفي الرياضيات 238 %. كما أن نسبة اليهود الأمريكيين الذين يدخلون الجامعات تبلغ 2 الى 1 بالنسبة لغير اليهود، ويمثلون في كلية رابطة ايفي الجامعية أكثر من 5 مرات نسبة عددهم وسط السكان.

 

كيف أصبحت الولايات المتحدة، التي خرجت من الحرب الباردة كقوى عالمية عظمى ملتزمة بتعزيز الحرية والأزدهار الاقتصادي حول العالم، في أقل عقد من الزمن أمة يستاء منها ويشتمها ويلعنها ملايين الفقراء والمضطهدين من الناس حول العالم ؟

 

بينما يود الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين ان يجعلوننا نؤمن بأن نهاية الحرب الباردة قد جعلت الولايات المتحدة دولة عظمى وذات هيبة، وجعلتها الدولة العظمى الوحيدة، وأسندت اليها مسؤوليات قليل من الدول العظمى عبر التاريخ تستسيغها وتقبلها، فان الموقف الحقيقي هو بالأصح أو بالأحرى أكثر تحدياً.

 

ان النضال أو الصراع مع الاتحاد السوفييتي والذي حولت سياساته وسؤ الادارة الحياة الاقتصادية والسياسية للملايين الى حافة الفقر والعوز، كان شيئاً ضرورياً ونبيلاً. ان هدف الشيوعية ـ وحتى الشكل الحديث منها وهو الاشتراكية ـ يبدو أمراً مضحكاً، بل هو محاولة مجنونة لمعاقبة الانسانية لأنها انسانية. لقد كان دائماً بالتأكيد شيئاً مضحكاً ومخبولاً، لكن هذا هو الواقع، ان الحقيقة التي تقود الى المعاناة والبؤس، دائماً ما تفرض اجبارياً، دون النظر أو مهما كانت الصعوبات: الشهداء يقعون والبؤس والشقاء يجب ان يتسامح معه.

 

وهكذا ومع الكثير من الفزع ـ والغضب ـ فان البلايين من الناس حول  العالم، في أمريكا اللاتينية،وفي افريقيا، وفي الشرق الأوسط وآسيا، أولئك الذين يعانون من الدخول المتدنية ومن المادية أو القسوة المفرطة من حكومات القلة، ينظرون الى السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ما تم تحقيقه خلال الخمسة عقود الأخيرة تحطم الآن تماماً، وتشتت الشعور الودي الذي كان الأمريكان يستخدمونه في مفاوضاتهم مع الدول الأجنبية والقوى الأخرى.هذا الناتج المأساوي للحرب الباردة كان يمكن أن يوقف؛ وكان بالتالي ذلك الفشل في استغلال تلك الفرص التي توفرت بنهاية الحرب الباردة من الممكن تجنبه. ذلك التاريخ والذي تهيمن عليه أحداث لا عقلانية وغريبة ليست مواساة أو مبرراً. ان السبب أن الولايات المتحدة تواجه الآن باستياء ولعن الملايين من البشر في كل قارة يمكن أن يعبر عنها بكل بساطة في أنه وعند انتهاء الحرب الباردة فان الخبراء الاستراتيجيين الأمريكان كانوا قد فقدوا الشهية في التدخل في شؤون نصف الكرة الشرقية، تلك الأراضي الشاسعة والتي تذخر بأغلبية الثروات الطبيعية القيمة في العالم. بالتاكيد ان هذه كانت باختصار هى المشكلة: فرغم التكلفة العالية للحرب الباردة، ورغم ملايين الملايين من الضحايا ـ غالبيتهم أبرياء ـ فانها كانت ذات قيمة ثمينة للمشروع الأمريكي القائم على جمع وتكديس الثروة والقوة، وقد تم تحقيق ذلك دون تردد.

 

أعطت الحرب الباردة أمريكا استراتيجيتها، لقد كافأت الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن على مبادئهم الاقتصادية والعسكرية والسياسية وبالتأكيد الدينية وعلى مشاركتهم في "الخدعة الكبرى" لأورآسيا. وبدون تلك الثوابت أو الأسباب فان الطريق الذي يحتاجه الأمريكيون للوصول الى المصادر ـ النفط والغاز والمعادن والأسواق ـ سوف لن يكون متوفراً، وحتى في حالة توفره فقد تكون التكلفة عالية جداً. ان العقود الخمسة للحرب الباردة قد رسمت بالتأكيد ظلالاً قريبة جداً من جنون الاضطهاد التي لا تحتمل، لكن يجب أن يكون الآن واضحاً أنه ومع الأزمة وخلال العشر سنوات الماضية قد عاودت الظهور ثانية وجعلت من نفسها صديقاً حميماً. الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن يمكنهم أن يتراجعوا عن أمانيهم. وقد يكونوا يودون فعل هذه الحماية أنفسهم فحسب من الأضطرابات العقلية الخطرة، لكن حقيقة مأزق أمريكا وعزلتها الجغرافية عن العالم، يجب ان تواجه الآن. انها المواجهة غير المرغوبة مع حقائق الحياة والتي تخلق جواً مفعماً بالكراهية. ان السياسيين الأمريكيين دون شك ينزلون الى أعماق النفس البشرية، ذلك المكان المخيف المظلم والذي يصور فقط الموت والمجهول.

 

ان ردود أفعالهم، منذ أنقضاء الحرب الباردة، يمكن التنبؤ بها. فخلال سنين عدة قاموا بفرض عقوبات من جانب واحد على 60 دولة أى بالتقريب على ثلثي سكان العالم. ورغم اختلاف تلك العقوبات في مدى حدتها، فانهم برغم ذلك كانت انعكاساً قوياً لما ينمو في واشنطن من عقدة جنون العظمة ـ لأعلى من معدلات الحرب الباردة. مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، قد قدم للأمريكان أيضاً خيار العقوبات المتعددة الأطراف، لكن لأن مثل تلك العقوبات تحتاج تخطيطاً كبيراً ودبلوماسية وتكاليف مادية فقد فضل السياسيون الأمريكيون بدلاً عن ذلك الاعتماد على العقوبات من جانب واحد.

 

لقد ناقشت قبل عدد من السنين في عدد من كتاباتي حول الشرق الأوسط أن على مواطني أراضي أورآسيا الشاسعة ان يدركوا بما هو موجود الآن في درجة من اليأس ـ والتي تنمو الآن ـ في غرف المؤتمرات المتعددة في واشنطن وفي نيويورك. وبهدوء ودون غموض أو التباس وتنبأت بكل وضوح بالتالي: " وكما ناقشت دائماً في مقالات عن شؤون العالم فان الولايات المتحدة وبريطانيا سوف تجبران على الاعتماد بشكل متزايد على السياسات الخارجية المدمرة والمضللة وذلك اذا ظلا على سياسة " اللعبة الكبرى " في أورآسيا [5].

             

لماذا يسيطر اليهود الأمريكيين والصهيونية بشكل علني في واشنطن وفي البيت الأبيض ووزارة الخارجية وفي مراكز الفكر والبحث وفي الاعلام وفي كثير من الوكالات الفيدرالية وفي مراكز اتخاذ القرار في وزارة الدفاع وفي الكونجرس ؟

 

بينما أن هناك عدد كبير من المؤرخين سوف يسلمون بأن مبدأهم جبان ومحبط كثيراً، فانهم أيضاً على استعداد للاشارة لحقيقة هامة، حقيقة المؤرخين، الحقيقة التي هى دائماً، وربما عن عمد، متجاهلة.تلك الحقيقة هى ببساطة تعبيرعن الرغبة في الحياة، وعن مقدرة الانسان على المثابرة والاجتهاد. ان العناوين والموضوعات ودروس التاريخ لم تتغير كثيراً عبر القرون. ومن المدهش أن السلوك الاجتماعي البشري ساكن مستقر، ومن الممكن التنبؤ به الى حد كبير.

 

ان من الأمور المعلومة أو المفهومة، كما هى مثيرة وموحية، أن المعرفة تأتي بالسلطة. كما أن من المقبول أن من يفهمون جيداً في عالمنا هم الذين يحكمون أيضاً. ان الاسكندر الأكبر كان له حظ عظيم أن يتعلم على يد أرسطوطاليس، لكن الاسكندر هو الذي أفاد أستاذه المشهور بأنه يريد أن يبقى موضوع نقاشهما ـ المعرفة والفهم المعقد ـ سراً، وكأنها شيء لايجب المشاركة فيه أو افشاءه لأعدائه. المعرفة قوة، العلم قوة، هذان أمران لا يمكن انكارهما. ان الصراع أو النضال من أجل الحياة يبدأ في العقل، ويتعزز بالعنف والقوة. ان الجماهير في التاريخ قد أصبحت ضحايا، ليس بالضرورة للطبيعة الشيطانية للنفس البشرية، ولكن لأنهم فشلوا في أن يصبحوا مثقفين ومتعلمين، كما ان استقلالهم وحريتهم قد انتزعا منهم لأنهم فشلوا في تسليح أنفسهم بالمعرفة.                        في ألمانيا وقبل الحرب العالمية الأولى كان هناك الكثير من الدلائل على التدهور في حياة الطبقة الوسطى، وذلك لأن الألمان قد اختاروا شرح معاناتهم. ان من الثابت أن ألمانيا - فايمار قد تمت السيطرة عليها بواسطة جمعية كابال ذات النفوذ والتي تضم المثقفين اليهود. ورغم قلة عددهم، فانهم قد عبروا للجماهير عن أرائهم المتطرفة بحرية، كما سيطروا على المناقشات والندوات في ذلك الوقت. فقد كانوا كتاباً وشعراء ومسرحيين وفنانين وناشطين سياسيين وصحفيين وخطباء وأساتذة: كما كانوا في مهنة تسويق وبيع الأفكار، وتشكيل تحويلها الى الواقع. لقد التمسوا السلطة وسعوا لاستغلال سذاجة الجماهير. والنتيجة كانت متوقعة: أولاً أزمة مدنية، ثم حرب امتدت باتساع القارات. لعقود سبقت الحرب العالمية الثانية كتب المثقفون في ألمانيا وأوروبا بشكل منتظم وبحماس عن عدم استيعاب اليهود وتعطشهم لعالم الأفكار. وعندما سقط حائط برلين في عام 1989 حدثت حادثة عميقة أو عويصة في واشنطن، تلك الحادثة غير المفهومة بشكل كامل حتى اليوم. ان اعادة توحيد الأمة الألمانية كان اشارة واضحة بأن عهداً من السلام النسبي في العلاقات الدولية قد اقتربت نهايته، وأن العالم يدخل مرحلة انتقالية تتصف بعدم الاستقرار وبالاضطراب، وكما تحالف العرب في الحرب العالمية الثانية مع دول المحور ـ أى مع الخاسرين ـ فانه كان من الطبيعي أن يتوقع الزعماء الأمريكان أن ينظروا نحو الشرق الأوسط عقب الحرب بدرجة من الشك والريبة. ان العالم العربي قد أصبح ضحية للتاريخ، وهذا الميراث قد انتقل لعقود قادمة ـ حتى تحطم حائط برلين. ان اليهود الأمريكان لم يسيطروا على واشنطن خلال عقود الحرب الباردة، لكن عندما انتهى ذلك الصراع، فقد انفتحت الفرصة لهم، حيث فهموا أن الولايات المتحدة قد استقرت وتوازنت الآن لكى تمد قوتها الهائلة الى كل أرجاء الشرق الأوسط، وتسيطر على العرب والمسلمين وتضمن أمن اسرائيل. فالحملات الصليبية الدينية ضد الاسلام ستتكثف وسيكون اليهود الأمريكان بالطبع هم في طليعة تلك الحملة الصليبية. وبما أن اليهود يمثلون 3 % من سكان الولايات المتحدة (275 مليون نسمة ) ـ أى حوالي 5.5 مليون يهودي ـ فان ذلك الانجاز هو في حد ذاته لأمر جدير بالملاحظة. أقلية صغيرة لها نفوذ ضخم في واشنطن، في عملية صنع القرار، في عالم الأفكار، ولكن أيضاً في وول استريت حيث عالم المال والتمويل. انهم يطلبون السلطة، وحتى لو سلطة غير محددة، مستخدمين ما لديهم من ثوب مالي متسع وفير، ومستعملين الابتزاز والسرية والحيلة والخداع. انهم يريدون تشكيل عقول الجماهير.     على الرغم من ذلك فان ما أنجزوه يجب ألا يبالغ فيه. فالنخبة الأمريكية قد مررت لليهود المهمة القبيحة في اخضاع وتعذيب وقتل العرب والمسلمين في الشرق الأوسط. وفي هذا الخصوص فان الأمريكيين اليهود قد أصبحوا أدوات مفيدة، ويمكن أن يوصفوا بأنهم أكثر الناس المدفوعين لعمل لا ترتاح اليه حكومة الولايات المتحدة. وبسبب هذا فان التزاوج الذي تم بين مجمع التصنيع الحربي الأمريكي واسرائيل قد نما بقوة في العقود الأخيرة، ولماذا أصبح يخشى الآن في واشنطن، فالأقوياء في العاصمة الأمريكية يعرفون أن تلك المؤسستين تمتلكان جماعات ضغط متنفذة ومخيفة والقليلون يجرأون على تحديها. ان توضيح حقيقة تلك الحياة في واشنطن ـ وحقيقة ما يرغب اليهود الأمريكيين في تشكيله ـ قد تبدو أمراً صعباً. قد يكون هذا صحيحاً، لكن هو في الغالب بسبب أن الموضوع حساس ومحزن أو مؤلم. ويمكنني أن أشير الى ثلاث محادثات أجريتها في الماضي القريب ، ثلاث مناقشات صريحة ولا تحتاج لأي توضيح: التقيت بأحد الزعماء الأمريكيين ( المستعربين ) بمكتبه في واشنطن، وقد أضاع بعض الوقت ليشرح لي الموقف،وقال لي متوسلاً " اعمل من أجل اليهود، اذا لم تعمل من أجل اليهود فان مهنتك لن تجد لها مكاناً، انهم سيعطونك الكثير من المال، وسيحترمون عملك، فالعرب مثيرون للشفقة ومحزنون ولا يعتمد عليهم، كما أنهم لا يقدرون أعمال المثقفين ".                                                   لي معرفة بدبلوماسي أمريكي كبير متقاعد عمل في الشرق الأوسط، وخلال احدى مناقشاتي معه عن العالم العربي حدثني عن تجربته مع أحد  زملائه  السابقين، والذي  يلتقي   به نادراً، "هؤلاء الناس ( اليهود الأمريكيين ) والذين مازال لهم تأثير والذين ظلوا ولوقت طويل يمثلون الولايات المتحدة، انهم يتحدثون عن العرب وعن العراق بعبارات من السخرية. انهم يضحكون على العرب ويقولون لي بأن على الولايات المتحدة أن تجعل من العراق مرأباً ضخماً للسيارات وأن تقتل كل من فيه". انني أعرف محامياً يهودياً ذو نفوذ، وأتحدث اليه من وقت لآخر، وهو على معرفة شخصية بمعظم الزعماء الاسرائيليين، وكان مستشاراً لصيقاً لعدد من الرؤساء الأمريكيين، اضافة لبيل كلنتون، قال لي "لقد كان على أن أخذ ابنتي الى خارج البيت الأبيض. فعلى الرغم من حبها لوظيفتها، لكنه كان يجب على أن أفعل ذلك، لأن كلينتون كان يفرض نفسه على كثير من النساء الشابات الذين يعملون معه".

 

 ما الذي يكمن أمامنا، وماهو المسار المتوقع للصراع العربي ـ الأسرائيلي ؟

 

صورة خادعة ومضللة ـ والمكر الكامن يغذيها ـ انه ببساطة لايختفي بشكل تلقائي، ومن المؤكد أنهم يعملون بضراوة للسيطرة على العقل البشري. ربما كان هذا أمراً مؤسفاً وربما يؤدي بالناس الى اليأس والقنوط. وعلى الرغم من ذلك فانه يمكننا أن نؤكد بأن ذلك الجنون لم يكن أبداً غير قابل للاتلاف. كل ما يبدو أنه سيظهر هو شيء يقوض فجأة ما هو كامن، شيء يطرد الجنون ويعيد سلامة العقل. الصورة الخادعة تحطمت.

 

انها الحرب، انها الموت والدمار. انها عملية القتلز حقائق الحياة تعود للظهور مجدداً فقط عندما يزعج العنف ضجرنا وهدؤنا. لقد لاحظنا أن شيئاً عويصاً قد تغير. الصراع يستعيد صحة العقل وسلامته. العقول، أصبحت أكثر حدة، التفكير تركز. هذا باختصار ما حدث في 28 سبتمبر 2000. ظهرت الحقيقة عندما أنطلق الرصاص وتحطمت الأرواح البريئة. الحقيقة لها قوة هائلة وهى تعطي الحياة بالحرب.

 

ان من الواضح الآن أن الصراع العربي ـ الاسرائيلي يدخل بعد عشر سنوات من الصور الخادعة المعلنة لعملية السلام، فترة خطيرة جداً، يدخل مراحله الأخيرة، ويصل ذروته. ان من المؤكد أن 7 مليون فلسطيني يرغبون في الحرية وفي مداخيل مالية عالية، لكننا يجب أن نقبل الطبيعة العميقة لهذا الصراع، الطبيعة الاقتصادية له. وعندما نقبل هذه الملاحظات فان الطريق يصبح واضحاً لدينا.      في مؤتمرهم نصف السنوي استشراف اقتصاد العالم ( ربع 2000 )، يحلل اقتصاديو صندوق النقد الدولي أداء الاقتصاد العالمي، وبينما هم بالطبع لا يتاقشون دور الصراعات في السلوك الاقتصادي، وعلاقتها بأسعار السلع، ومع ذلك فانهم يضيفون بياناً فوق العادة وبطريقة أخرى شاملة لكن بتحليل غير متوقع: " في سوق النفط فان الارتفاع الشديد للأسعار والذي شهده النصف الأول من عام 1999 حيث استجمع قواه لينطلق في النصف الثاني من السنة. وفي أوائل مارس 2000 وصلت الأسعار أعلاها في مدى 9 سنوات. ان التضييق الشديد في سوق النفط العالمي كان بسبب تبعات الاذعان للالتزامات بخفض الانتاج التي وافقت عليها الدول الرئيسية المنتجة في مارس من عام 1999 ". بينما أدى النمو السريع للاقتصاد العالمي في العقود الأخيرة الى ممارسة ضغط على أسعار كل السلع بما فيها النفط، فان هذه ليست بظاهرة والتي لم تجد في الغرب اى اهتمام أو تحليل. ان هذا يمكن شرحه وسيقودنا الى معرفة الى أين يتجه الصراع العربي ـ الاسرائيلي. ان الاجابة مزعجة بالاضافة الى أنها مخيفة ومرعبة. هناك شك قليل في أن انتعاش الاقتصاد العالمي في التسعينات يعود في الغالب الى الأسعار المنخفضة للنفط؛ هناك أيضاً القليل من الشك في أن البلايين من البشر من الفقراء في العالم قد بدأوا في المشاركة في تنمية اقتصاد العالم ـ واستهلاك النفط ـ ان مدخولاتهم المنخفضة ستؤثر أو ستفرض انخفاض أسعار النفط وأسعار بقية السلع الأخرى. انه في الواقع شيء يدعو الى السخرية لكنه يطور أو ينشيء علاقات اقتصادية ممتازة، والآن كل هذا يبدو أمراً واضحاً جداً. انها علاقات ستؤدي الى أزمة بل ربما صراع ستكون له انعكاساته على نطاق العالم. هنالك تطوران مذهلان حدثا مؤخراً في الاقتصاد العالمي يجب أن يوضعا جنباً الى جنب:

 

1/ في العقد الأخير ومنذ انهيار حائط برلين فان الاستثمارات الأجنبية المباشرة قد نمت بسرعة مذهلة. ان تدفق رؤوس الأموال الخاصة، والتي تتجاوز الآن 100 بليون دولار سنوياً، تتحرك نحو أقاليم واسعة من العالم النامي، الى شرق آسيا، الى أمريكا اللاتينية، الى أوروبا الشرقية وروسيا، وحتى الى آسيا الوسطى. وظلت فقط اقتصاديات الأمم المستعمرة في الشرق الأوسط وأفريقيا بعيدة عن هذا النمو السريع للاستثمالاات الأجنبية المباشرة. هذا الفشل في اغراء حتى القليل من تلك الاستثمارات قد اثر كثيراً جداً وأدى لنمو اقتصادي محدود.

 

2/ خلال العقد الأخير ومنذ سقوط حائط برلين تحسنت عملات الكثير من الدول النامية، وأحياناً بصورة أدت الى حدوث بطء مفاجيء في النمو الاقتصادي. ان هذا الارتفاع المثير للاعجاب للعملات قد حفز النمو الاقتصادي ورفع من مستوى المعيشة. فقط الدول المستعمرة في الشرق الأوسط وأفريقيا بقيت عملاتها تتراجع بشدة بسبب التضخم. وقد أدى الفشل في وقف هذا التراجع أو الانحدار الى جعل النمو الاقتصادي محدوداً جداً حيث قلت البواعث أو الحوافز التي تدعو المستثمرين الدوليين للاستثمار المباشر في الاقتصاد. ان من المؤكد أنها ليست مصادفة أن اسعار النفط الخام العالية ـ وصلت في سبتمبر الى 38 دولاراً للبرميل الواحد وسببت فوضى كبيرة في أوروبا ـ قد حدثت مباشرة عقب التصلب الأمريكي الاسرائيلي بشأن عملية السلام. بسبب الرفض التام لليهود في اسرائيل والولايات المتحدة احترام كبرياء وكرامة عرب فلسطين، أو بسبب ما يحدث من معارك منذ 28 سبتمبر. كما أن من المؤكد أيضاً أنها ليست مصادفة أن تلك المنطقة من العالم التي تمتلك أكبر كميات من الثروات الطبيعية ـ في الشرق الأوسط وأفريقيا ـ تعلني أيضاً من الحرب والصراعات الأهلية والاستثمارات الأجنبية الضعيفة والانحدار الاقتصادي المهين والذين لم يظهلر اى توقف أو نهاية له. بينما يكون الخداع والرياء من المظاهر العامة والمعروفة للنفس البشرية، فانه وبالرغم من ذلك استمرت في احداث صدمة ورعب: فالكلمات غالباً ما تعني عكس ما هو متوقعأن تعني. ان عملية السلام والتي ظلت اسرائيل والولايات المتحدة تدعمانها بقوة ـ ولكن من الواضح أنها بغير اخلاص ـ تعني في الواقع ببساطة أن الصراع يزداد حدة، وأن الحرب لا مفر منها. ان الأزمة الاقتصادية للشرق الأوسط وافريقيا والتي يوجه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اهتمامهما بها، بل يحذران ـ ولكن من الواضح أنه بغير اخلاص ـ تعني ببساطة أن كل تلك المناطق بكل سكانها يواجهون خطر الدمار، وأن ضعفهم وما يعانون من بؤس وفقر سوف يوصل ثرواتهم الطبيعية الهائلة بفعالية وبأرخص الأسعار. ان ما أصبح واضحاً وجلياً أن العرب والأفارقة يواجهون الغرب بمشكلة عويصة معقدة ـ ان تواجدهم غير ملائم أو مزعج أو مرغوب فيه. 

 

ان ما يلوح في الأفق هو الحرب، حرب عنيفة جداً، ان المواجهة على السيطرة على الشرق الأوسط، هو شكل جديد من الأحلاف، كما ينذر أيضاً بتحولات وتحركات كبيرة لتوازن القوة الدولي؛ ان تهديد الحرب العالمية يزداد يوماً عن يوم؛ " فالسلام الطويل " والذي ظل منذ عام 1945، قد تكون نهايته قد اقتربت. ان القتل المعيب لأكثر من مائتي عربي فلسطيني أعزل من السلاح ـ وجرح أكثر من 10 آلاف ـ بواسطة اليهود المسلحين بأسلحة ثقيلة هو المؤشر الثاني الرئيسي على أن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية ت الأمبراطورية الأمريكية ـ آخذ في الانهيار. المؤشر الأول الرئيسي كان هو الغارات الجوية الغريبة والشاذة في ربيع 1999 بواسطة القوات الجوية الأمريكية رغم أنها تحت القيادة المظهرية لحلف الناتو، ضد الحكومة الاجرامية المسيطرة على شعب يوغسلافيا[6].

 

ان حكومة الولايات المتحدة في كلتا الحالتين تمنح دعماً وتأييداً غير مشروط للتمرد والعصيان، متوقعة أن ذلك التمرد سيخلق حالة من البغض والحقد وسيؤدي الى أزمة. ان ذلك التأييد لمقاطعة كوسوفو المتمردة على يوغسلافيا ليس بالطبع بسبب أو من أجل " حقوق الانسان " لألبان كوسوفو، لكنه لأعطاء حلف الناتو، والذي فقد أعداءه بنهاية الحرب الباردة، مهام جديدة.                   

ان التأييد للحملة الصليبية الاسرائيلية ضد الانتفاضة الجديدة، ليس هو بالطبع لتوفير" وطن " ليهود العالم الذين لا وطن لهم، لكنه من أجل استخدام اسرائيل قاعدة عسكرية امامية للسيطرة على نفط الشرق الأوسط والهيمنة على الحياة الاقتصادية والسياسية في المنطقة.

 

اذا لم تسمح الحكومات العربية لمواطني الشرق الأوسط الفقراء المسلوبي القوة والارادة بأن يفرضوا طريقهم ويدخلوا اقتصاد العالم المزدهر ـ وبشروط عادلة ومعقولة ـ واذا استمرت الحكومة الاسرائيلية في رفض اعادة الحقوق الكاملة لسبعة مليون عربي فلسطيني، فاننا وفي هذه الحالة يمكننا أن نتوقع حرباً واسعة، حرباً من المؤكد أنها سوف تبتلع كل المنطقة. ان قادة وزعماء الشرق الأوسط يقومون الآن بوضع خطوات محددة لتوحيد العالم العربي والاسلامي. وهم يفعلون هذا لأنهم ولأول مرة يستجيبون لمطالب ورغبات شعوبهم والذين ظلت حقوقهم الاقتصادية والسياسية مهضومة ولوقت طويل. تلك الحكومات والتي تعتمد على دعم وتأييد الولايات المتحدة ـ والتي يحصل زعماؤها على الدعم المالي الحاسم من واشنطن ـ ستكتشف أن المرحلة الجديدة خطيرة جداً عليها. الحدود الاستعمارية سوف تختفي، البنى السياسية والاستعمار الاقتصادي سوف تزول، الزعماء السياسيين الفاسدين والحمقى وغير المستجيبين سوف يغتالون، وسيظهر زعماء جدد يقودون شعوبهم للثورة واقامة مؤسسات جديدة. من الواضح أن تلك العملية سوف تتم بعنف، وسيعلن الزعماء العرب الحرب التقليدية. استراتيجية اسلامية جديدة أخذت تظهر بشكل تلقائي وعفوي، والتي ستنجح في اعادة السلام والازدهار ثانية الى المنطقة. وستتعزز تلك الاستراتيجية عن طريق اساليب الحرب غير التقليدية وعن طريق الوعي بذكاء بما يمكن أن يوحد العالم العربي والاسلامي. ان العقائد الدينية كاتن دائماً في التاريخ تلعب دوراً هاماً في توحيد الشعوب وايضاً في تدمير المؤسسات غير المرغوب فيها وغير المفيدة، تلك المؤسسات الملعونة؛ ان الاسلام يعود للظهور بسرعة لأداء ذلك الدور القوي والحاسم.  ان الصهيونية المحاربة ليس من المتوقع أن تواجه تلك التغييرات المثيرة والمفاجئة في الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين، وان من المشكوك فيه أن يتمكن 4.8 مليون يهودي في اسرائيل من الدفاع عن دولتهم الشابة الفتية ومنع تدميرها. فبينما قد يؤمن الجيش الاسرائيلي بأنه تتوفر لديه عدد من الخيارات العسكرية، فان كل ذلك أيضاً لأمر مشكوك فيه. وفي التحليل الأخير فان الاستراتيجية العسكرية المجدية الوحيدة قد تكون هى حدوث هجوم مفاجيء ومكثف على 560 مليون مسلم في المنطقة، في المدن العربية والاسلامية الرئيسية في الهلال الخصيب وما وراءه، ليس بالاسلحة التقليدية ولكن بالأسلحة النووية.

 

ماهو مستقبل العلاقات الأمريكية ـ الاسرائيلية ؟

 

في عام 1917 وفي الثلاثينات والأربعينات وربما أيضاً خلال السنوات الأولى من الحرب الباردة، فان الغرب قد يكون قد فكر، وبدرجة ما من الثقة، أن مشروعه الطموح ـ اخضاع شعوب الشرق الأوسط والسيطرة على نفطهم ـ كان ممكناً مرة، ومرة قد أعطى ثباتاً ومثابرة، سوف ينجح. ان ذلك كان من الواضح أنه سيكون أمراً صعب التصديق في الثمانينات. أما اليوم فان من المستحيل أن التفكير أو الايمان بمثل تلك الأفكار أو النزوات، أو كما يمكن أن تبدو. لكن اذا ما كانت تلك الحقيقة، والتي هى مزعجة وبغيضة للخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين والاسرائيليين، فان من الممكن أن تفرض نفسها على الانسان العنيد وخلق أو ايجاد بيئة يكون فيها التثقيف والتعليم أمراً تستحيل معرفته أو يستحيل التعرف عليه. ان في دواخلنا كرهاً لتقبل التواضع والتعلم في أن نكون بشراً. ان التاريخ ملطخ بالدماء والسلام سريع الزوال؛ الصراعات والنزاعات لا مفر منها. الملاحظة والادراك تراوغ كالشبح. وكما يمكن أن يكون هناك حرب وصراع في الشرق الأوسط، فان من الممكن أن تكون هناك أزمة وصراع وحرب أهلية أيضاً في الولايات المتحدة. قد يكون من الصعب تصديق ذلك لكنه أمر ممكن الحدوث. لماذا لا يبدو أن هذا أمراً غير واضح لكثيرين، وهو أمر مفهوم. انه نوع من الانتقال الحاد من حالة عادية للشؤون ؛ انه ببساطة لأمر كريه ومخيف جداً.

 

الصينيون لديهم مثل سائر وهو يشرح الموقف الذي تجد الولايات المتحدة نفسها فيه ويجب أن تتغلب عليه، وهو يقول " اذا سرقت بقرة ستذهب الى السجن واذا سرقت بلداً ستصبح أميراً ". ان خطط الغرب، خطة الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين والاسرائيلييين، تنهار، ومن المؤكد أنها ستنتهي الى تشتت وانهيار تام وكامل. الخطة كانت هى لسرقة الشرق الأوسط، ولجعل اسرائيل الدولة المهيمنة في المنطقة والولايات المتحدة هى الدولة المسيطرة على كل العالم. كان على اسرائيل أن تكون مصدراً لرأس المال، تلك الأمة الشجاعة والتي لا تبارى في تفوقها في كل المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية وحتى الثقافية، وستقوم أمريكا بنفس الدور ولكن على مستوى العالم كله. ومع ذلك ومع مايدور الآن من معركة في الشرق الأوسط، فان من الواضح أنه سيكون هناك مشهدان سيتركان أثراً حاداً وعميقاً على العلاقات الثنائية القوية بين الولايات المتحدة ووكلائها أو تابعيها في الشرق الأوسط:

 

اذا استمر سعر برميل النفط الخام على ارتفاعه، 32 الى 35 دولاراً للبرميل أو أعلى من ذلك، لفترة من الوقت أو لسنة واحدة أواكثر، فان الخبراء الاستراتيجيين الامريكان سيبدأون في التساؤل حول دعمهم غير المحدود لاسرائيل. فعندما يبدا مبرر أو سبب وجود اسرائيل في الضعف ـ استمرار النفط عالي التكلفة بدلاً عن نفط رخيص ـ فانه في هذه الحالة سيبدأ الزعماء الأمريكان في مواجهة ما هم فيه من مأزق. وسيضطرون للاعتراف بأن 52 سنة من استثماراتهم القديمة في اسرائيل، والتي تصل الى 92 بليون دولار، تكون قد ضاعت. ورغم أن هذه الحقيقة قد تأخذ وقتاً الا انها ستخلق غضباً ورعباً في واشنطن.

اذا تمت مساندة معارك المدن، وهو نوع من القتال يشبه ما كان يدث في بيروت ابان الحرب الأهلية اللبنانية ـ في الأراضي العربية المحتلة، وحتى داخل اسرائيل نفسها لفترة من الوقت أو حتى لفترة عام أو أكثر، فان الخبراء الاستراتيجيين الأمريكان سيبدأون في التساؤل عن الحكمة في في التأييد غير المحدود لأسرائيل، وعندما يبدأ مبرر أو سبب وجود اسرائيل في الضعف، ويبدأ النزوح بدلاً عن الهجرة ـ فان الزعماء الأمريكان سيبدأون في مواجهة ما هم فيه من مأزق، وسيضطرون للاعتراف بان خضوعهم لسنين عديدة لليهود الأمريكيين وللصهيونية ولجماعات الضغط الاسرائيلية، والذي كان أمراً مهيناً ومذلاً، ربما كان خطأ. ورغم أن هذه الحقيقة قد تأخذ وقتاً الا انها ستخلق غضباً وفزعاً في واشنطن.

 

وكما هو الأمرمع فترة الفوران والاضطراب والفوضى، فانه يمكننا أن نتوقع بعض الأحداث غير الطبيعية أو غير العادية في واشنطن، أحداثاً تشير الى الأكتئاب واليأس المفرط، وستصبح الثروة الهائلة في خطر. اذا ما دفع أحد الخبراء الاستراتيجيين الأمريكان على التسليم أو الاذعان بأن اسرائيل كانت ظاهرة عابرة من ظواهر الحرب الباردة ـ أداة في لعبة السياسة الدولية ـ فانه وفي تلك الحالة سيكون هناك، ان عاجلاً أو آجلاً، تغيير سياسي ضخم في العاصمة الأمريكية. تقاسمت مؤخراً هذه الأفكار مع دانييل بايبس، الكاتب الأمريكي المشهور في شؤون الشرق الأوسط. حيث حاولت ولعدة شهور، مع قليل من النجاح، أن أفتح معه حواراً، وفي 25 مايو 2000، لخصت له بعض أفكاري في رسالة بعثت بها اليه عبر البريد الالكتروني: " بينما تضعف الولايات المتحدة في قوتها في الشؤون الدولية، فان الشرق الأوسط سيبدو مثل افريقيا... بالحروب الأهلية والصراعات. وسيبدا العرب في استعادة ثرواتهم الطبيعية مرة اخرى، والتي سرقت منهم بواسطة البريطانيين والأمريكان. وبينما تبدأ تلك العملية في التسارع، فان السياسيين الأمريكان سيواجهون ضغوطاً. وستكون هناك ثورة في الولايات المتحدة. وعندها سيهجر الأمريكان كل أحلافهم العاجزة ... مع أوروبا مع اليابان مع كوريا ومع اسرائيل ... اننا نشهد الآن نظاماً عالمياً جديداً آخذاً في التبلور والتشكل. ثروات العالم ستوزع بتساو أكثر. انني بصراحة لا أرى أن اسرائيل ستعيش كدولة." ورد على في اليوم التالي بهذه الكلمات المقتضبة: " نحن نتفق على شيء . لكنه ربما كان من ناحية عكسية. ان مأزق أمريكا، والذي هو اقتصادي في طبيعته، يمكن التعبير عنه ببساطة وبصورة فظة بسؤال غير محبب: هل سيكون بمقدور الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن، والذين هم جهلاء متغطرسين، أن يقنعوا الشباب الأمريكي على الدخول في حرب في الشرق الأوسط، اما لصالح اسرائيل أو من أجل نفط رخيص ؟"

 

ما الذي يجب على العرب والمسلمين فعله للدفاع عن أنفسهم، وعن نفطهم؟

 ما هى الاستراتيجية التي توفر لهم النجاح داخل دهاليز السلطة في واشنطن اضافة الى الشوارع ( وميادين القتال ) في الشرق الأوسط ؟

 

ان طبيعة الصراع لا تشجع على النقاش الموضوعي للمشكلة وعيوبها، وربما يعود ذلك لتعقيداتها. لكن الفشل يمكن أن يخلق زخماً كبيراً ومنطقياً من جانبهم؛ بل انه يكون أكثر رعباً، فالخسائر التي تعرضت لها في هذه العملية المحزنة الكئيبة، وذلك النزول اللولبي نحو الأسفل، يمكن أن يتراكم. وقد يبدو الدمار أنه شيء دائم رغم أنه ليس كذلك.

 

ان الجماهير التي تعاني في الشرق الأوسط تعلم متى بدأت هذه العملية المحزنة، ومتى بدأ الانحدار نفسه، ومتى اتخذ قوته ومضاه. ان ذلك القليل مما عمل للسيطرة على تطورها، وبالتأكيد فان ذلك الوعي هو الآن أحد الأسباب الهامة في ان المنطقة تهيأت الآن لولادة جديدة. ان كل تلك الولادات الجديدة هى مؤلمة وعنيفة لكنها دون شك تحفز البحث عن التجديد. فالجماهير سوف تشعر حينها بأن الوقت أخيراً قد أزف.

 

لقد بدا الهبوط والانحدار في العقد الثاني من القرن العشرين، وبينما سيجادل الكثيرين في أنها قد بدأت أبكر من ذلك، فان تلك كلها مجادلات أكاديمية، مع قليل من التطبيقات العملية. جاء الأوربيون ومعهم المعرفة والتكنولوجيا. وبكل هدوء فرضوا أفكارهم وأقاموا امبراطورية. فتحت الحرب العالمية الأولى الطريق للأوربيين لاقامة تلك الامبراطورية. أما الحرب العالمية الثانية بعد عقدين فقط من الأولى  فقد فتحت الطريق ثانية لكن هذه المرة للأمريكيين الذين أقاموا امبراطورية على طريقتهم. فالعرب في لحظات مشؤومة من لحظات التاريخ، تحالفوا مع المانيا ودول المحور. ان من غير المناسب الآن أن يوجه سؤال حول ما اذا كانت تلك المسألة من الممكن تجنبها، لقد كان قراراً من الطبيعي أن يتخذ في ذلك الحين، رغم أن تبعاته ستثبت في العقود القادمة أنه كان قراراً مدمراً بالتأكيد.

 

ان تلك المرحلة، مرحلة الحربين الأولى والثانية والحرب الباردة، قد مرت. لكن رغم ذلك فاننا الآن على عتبات عهد جديد. فهناك أحلاف جديدة أخذت تتكون. وفي كثير من الأوجه فاننا نحن في المراحل الأولى من من هذا العهد الجديد. ومع ذلك فان العالم القديم وأحلافه قد بدات في الزوال. هناك فرصة جديدة تنتظر كل واحد، وسيبدو من الغباء اعتبار ان الأوربيين والأمريكان قد نسوا القيمة الكبيرة لتلك الثورات أو الجيشان التكررة بشكل دوري في تاريخ العالم. لقد أصبحوا أغنياء بصورة خرافية بواسطتهم أو عن طريقهم. لكن وبينما تكون هذه الفرصة الجديدة آتية فان من الواضح أن العالم قد مر من خلال تغييرات مفاجئة وصعبة منذ أن عقد الألمان واليابانيين العزم قبل نصف قرن مضى على اقامة مناطق نفوذ لهم وامبراطوريات خاصة بهم. وبينما كان التحول الى العالم الصناعي يجري في الأربعينات ـ وقد أعطاه التدمير الهائل والانفاق العسكري الواسع للحرب العالمية الثانية قوة أكثر وزخماً ـ والآن فان الواضح أن تحول العالم الى صناعي قد أدى الى تراكم قوى هائلة. لقد انتشر في كل ركن من أركان الدنيا؛ وقد تعزز وتوطد بالتطوير الذي لا يلين للمعرفة العلمية والتكنولوجيا وبالرغبة اللامحدودة للتطوير الذاتي، أو مع مستويات المعيشة العالية اضافة للجودة العالية من الحياة. ان الشرق الأوسط قبل قرن مضى كان مقطوعاً عن ذلك التقدم للاقتصاد العالمي. السياسة الشريرة " فرق تسد " هى المسؤولة عن فصل المنطقة عن تصنيع الاقتصاد العالمي. ومع العالم الجديد الذي يتشكل الآن فان على العرب والمسلمين أن يستشرفوا المستقبل بينما هم يدمرون الماضي. عليهم أن يدمجوا  أنفسهم في الاقتصاد العالمي وعليهم ان يتعلموا أن يتقبلوا أن عليهم أن يفرضوا طريقهم الى داخل الاقتصاد العالمي الناشيء. يجب الاعتراف بأن الأمريكيين والأوربيين لا يتوقع منهم أن أن يوقفوا استغلالهم للشرق الأوسط. ان من المؤكد أن قروناً من العمل الغربي للسيطرة على الثروة وعلى الاقتصاد وعلى المصادر الطبيعية للعالم لن تنتهي بتلك البساطة أو تضمحل من تلقاء نفسها.

 

ان من المؤكد أن ذلك المسعى سوف يؤدي حتماً لتشكيل حلف جديد ضخم، حلف سيكون من المؤكد حلفاً قوياً امام أى هجمات أو ظروف طبيعية. ان الولايات المتحدة ظلت خلال القرن العشرين في طليعة الجهود لنشر الرأسمالية حول العالم. انهم الأمريكان أكثر من أى دولة أخرى ـ فانهم ورغبة في السلطة والمستوى المرتفع من المعيشة ـ كافحوا واستخدموا العنف أحياناً، ليخلقوا لأنفسهم عالماً فوق العادي.

 

ان التصنيع لم يكن ممكناً دون بترول لذا فقد كان محتوماً أن الأمريكان وهم القوة الرئيسية في الرأسمالية سوف يتحالفون مع شعوب الشرق الأوسط المنتجين الرئيسيين للطاقة. هذا الحلف سينمو مع الزمن ويتخذ شكلاً طبيعياً وسيكون أعظم قوة عرفها العالم. انه سيكون شراكة حيث سيعمل الأمريكان مع شعوب الشرق الأوسط على تعزيز الرفاهية والازدهار الاقتصادي من خلال التعاون والاحترام، ومن خلال الفهم بأن 5 بلايين فقير في العالم سوف يسفيدون كثيراً من تلك الشراكة. ان لا شيء ممكن دون هذا الحلف، كما أن التصنيع الكامل لأقتصاد العالم لن يكون ممكناً بدون أن يصبح هذا الحلف واضحاً لكل أعداء الرأسمالية وتقدم البشرية. سيكون من الضروري النظر الى البترول كوسيلة يستطيع فقراء العالم بواسطتها أن يجدوا الفرصة لأنتشال أنفسهم من البؤس. في كثير من الأوجه فان البترول في القرنين العشرين والحادي والعشرين يماثل الرقيق الأفارقة في القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر، حيث وفر العبيد الأفارقة قوة العمل، وحيث تم استخدامهم بصورة واسعة، وتم تسعيرهم بأسعار تتناسب مع امكانيات الكثيرين، وعبر القرون وفي فترات قليلة لم يكونوا متوفرين في السوق. لقد كانوا هم الماكينة الحقيقية للنمو الاقتصادي، ولم يكن هناك شك بأنهم قد كانوا أيضاً القوة المحركة للتصنيع في أوروبا. وبجهدهم جاءت الرأسمالية، مصدر التنمية الاقتصادية ـ انه تشبيه غريب ـ ولكي نكون أكثر تأكداً مما أوردنا لإان سلعتي النفط والرقيق تقاسمتا نفس السوق.   بالتاكيد فان ذلك هو أساس الحلف القادم بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط. حيث سيكون من الضروري قبول أن هناك ترتيبات دقيقة محكمة، 6 خطوات هامة ولا غنى عنها، والتي لا بد للعرب والمسلمين أن يقبلوها اذا أرادوا أن يحصلوا على الاستقلال وخلق حضارتهم الجديدة. تلك الخطوات قد تكون قاسية وكريهة، لكن التاريخ لا يغفر، وكذلك النفس البشرية تقوى وبالأزمات والحروب. اذا للعرب والمسلمين في القرن الحادي والعشرين أن يستعيدوا كرامتهم وحريتهم ـ اذا اختاروا استراتيجية دمج أنفسهم في الاقتصاد العالمي المزدهر ـ فسوف يشرعون في حرب ( جهاد ) مستخدمين هذه الطرق الستة :ـ

 

تنفيذ حرب غير تقليدية أو حرب عصابات في الأراضي المحتلة ضد اسرائيل. ومع هذا فقد لا تكون هذه ضرورية اذا وافق اليهود في اسرائيل والولايات المتحدة على منح 7 مليون فلسطيني حقوقهم الكاملة وحريتهم. بالرغم من اعتراضات الكثيرين فان العالم تديره اليوم ظاهرتان ـ المعرفة والحرب ـ ومن أجل النجاح في الحياة فلا بد من البراعة في كليهما. لكن القتال من أجل تدمير اسرائيل لن يكون ضرورياً؛ فالصهيونية تتلاشى، واذا لم يقبل الزعماء الاسرائيليين الحقائق الجديدة في الشرق الأوسط فان اسرائيل ستفني نفسها بنفسها.

فتح الحدود المجاورة للأراضي المحتلة في مصر والأردن. لأنه وبدون فتح تلك الجبهات فان الحرب غير التقليدية ستكون صعبة ومكلفة بشرياً ومادياً. كيفية تحقيق هذا قد لا تكون له علاقة بالموضوع، لأنه وبدون وجود معبر للشعب الفلسطيني، ودون سلاح، فان العرب والمسلمون في المنطقة سوف يواجهون أعواماً من الذل والكآبة وبالتأكيد كساد اقتصادي.

ازالة وتحطيم الحدود الاستعمارية في الشرق الأوسط. حيث بارساله جيشاً عربياً الى داخل الكويت في أغسطس 1999، كان صدام حسين أول قائد في الشرق الأوسط يحاول أن يعلم الجماهير العربية عن الأغراض الحقيقية للحدود. فمن ناحية قام وقبل عشر سنوات من اليوم بافتتاح المعركة التي لا زالت تدور حتى اليوم. ان الاسلام دون شك هو أكثر قوة رئيسية موحدة في المنطقة، ويجب القبول بأن شجاعة وقوة ايمان الأفغان والآسيويون الجنوبيون والعرب في الركن الشرقي من الشرق الأوسط، قد أثارت حماس المسلمين في كل مكان. وقد أتى طالبان بالسلام الى أفغانستان. القومية العربية والدين الاسلامي اتحدا معاً في الدعوة لازالة الحدود الاستعمارية في الشرق الأوسط.

اقامة اتحاد مالي غير رسمي يجمع 300 مليون عربي. وأن تلغى كل العملات الوطنية أو تدمج تدريجياً بتقريب مستويات أسعارها حتى تصبح عملة واحدة. وان يتم دمج اقتصاديات الدول العربية الكبيرة الى بعضها فوراً، لأن هذا سوف يشجع الطلب ويخضع السياسيين المحليين الذين يدافعون عن اقطاعياتهم الشخصية، وذلك باتخاذ الخطوات الضرورية لاحراز نمو اقتصادي سريع في كل أنحاء الشرق الأوسط.

تشجيع ورعاية التضامن في منظومة الأوبيك. فبينما يقوم أعضاء المنظمة بكل عناية بدراسة ومراقبة أداء الاقتصاد العالمي ، سوف يحددون السعر الذي تحتمله السوق العالمية النامية بسرعة لخام النفط. بينما تكون هذه الأسعار المرتفعة للنفط مقبولة لمعظم الأمريكان والأوربيين، فقد تعمل أيضاً على التخفيف من المخاطر المالية والاقتصادية المدمرة. ويقدر بعض الاقتصاديين أن ما يصل الى 40 % من القيمة الحالية لوول استريت هى بسبب المضاربات علىالنفط.

الاستفادة من منبر الأمم المتحدة. فبينما يتشكل الآن عالم جديد للشؤون الدولية والذي سيترك أثراً واضحاً على الأمم المتحدة، فان الحكومات من كل العالم سوف تزداد رغبتها للاعتماد على هذا المنبر الهام للحصول على فهم أفضل لطبيعة مشكلاتها والصراعات التي تنشر طاعونها في العديد من مناطق العالم. ان الدبلوماسية هى أداة فعالة، ومن الواجب على العرب والمسلمين الاعتراف بأن مهاراتهم في الدبلوماسية الدولية قد تكون ضعيفة.                             

 

التجديد والاصلاح:

                                                                               

مثلما هو أمر صعب عزل وفهم منطق الصراع العربي ـ الأسرائيلي، فان من الصعب ان لم يكن مستحيلاً السيطرة على تلك الحرب وعلى الصراع الذي ينتشر ويشتد، وتوجيه المقاتلين للوصول الى تسوية. والتي لن تتم لأننا نفضل الموت على الحياة. أو لأننا نعتقد باننا سننتصر، فالكراهية متعمقة فينا، وكذلك التعطش للتدمير. ان الحرب والثورة ضرورتان حيث يتعذر تفاديهما، وهما غالباً ما يقدمان لنا الحل الحقيقي وهو الطريق الوحيد أمامنا. ان التاريخ يحدثنا الكثير.

 

الحرب والثورة قد تكونا مثيرتان اضافة الى أنهما داميتان، والمقاتل البشري قد يجعل عقلنا الواعي حاداً، وقد يعطي حياتنا معنى عميقاً، لكن الحرب من المتعذر تجنبها، فالحرب مغرية وهى منطقية، وهى غالباً ما توفر الظروف المثلى التي تكون فيها المؤسسات البشرية الفاسدة وغير الفاعلة، مع كل ما تاتي به من نقائص وظلم وجنون، عرضة للتدمير. ان الحرب تسمح بالتطهير والتنظيف المرغوبين حدوثهما. حيث يؤدي تدمير المؤسسات الى الاصلاح والتجديد والى تنمية وتطوير افكار وقوانين جديدة. ان الحضارة الانسانية تعيد وتجدد خلق نفسهابشكل دائم، ونحن من المؤكد لا نستطيع فعل شيء سوى أن نوفر من الوسائل التي تسمح لهذه العملية بالسير الى الأمام. وتلك الوسائل غالباً ما تكون مؤلمة وعنيفة لكن لا بد من تقبلها.

 

ان ارادة التجديد والاصلاح في الشرق الأوسط وفي الصراع العربي ـ الاسرائيلي، هى التي ستسيطر دون شك على الجماهير العربية والاسلامية. متى سيحدث هذا، انه أمر غير متيقن منه، رغم أن هناك حادثتان ستميزان عملية التجديد قد بدأتا. هاتان الحادثتان ـ واحدة في الغرب والأخري في الشرق الوسط ـ هما اقتصاديتان في طبيعتهما ويؤكدان حماسنا وبحثنا عن العدل. ان أكثر المقاييس للعدل دقة جاءت بالطبع من تقسيم المصادر والثروة من أكثر العناصر حيوية للحياة الانسانية وهو الاقتصاد. ان العرب والمسلمين في الشرق الأوسط سيعرفون بان عملية التجديد تجري حينما يختفي التضخم من الأقتصاديات الغنية في الغرب، وعندما تبدأ رحلة روؤس الأموال من الشرق الأوسط نحو الغرب في التناقص. ان الأسعار العالية للنفط ستفصل عن التضخم، وسينتهي الدور الحاسم لروؤس الأموال في الاستعمار. وعندها فان المعركة الأخيرة للشرق الأوسط، والتي بدأت في أول عام من الألفية الثالثة، ستنتهي.


 

[1] إن هدف المسلمين في إجبار الإسرائيليين اليهود والقوات الأمريكية على الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط يجد الآن فرصة عظيمة أكثر من أي وقت مضى في أن يتحقق، رغم أنه الآن ومع نهاية القرن العشرين، لا يعد أمراً ضرورياً أبداً ـ وربما قد تكون له نتائج عكسية ـ للتعبير عنه بتلك الصراحة وعلناً. وبدلاً من ذلك فما نراه هو أن ثقة المسلمين أخذت تقوى بشكل مثير بنفس قدر انهيار قوة المسلمين على الدخول في حرب تقليدية، إلى حد أن بعض زعماء الشرق الأوسط قد ذهبوا مذهباً بعيداً على أن المسلمين بالأساس يعارضون العنف بكل أشكاله. أنظر كتابي غير المنشور الصليبيون الممتنعون: عبقرية الإسلام وعجز الثروة والسلاح ( مارس 1998/).

[2] هذه الورقة هي نسخة موجزة من مقالة كاملة أقوم بإعدادها الآن في كتاب صغير بعنوان منطق   الصراع العربي ـ الإسرائيلي

[3] أنظر مقالتي بعنوان الثورة التي لا مفر منها ( مارس 1999 ).                               

[4] استهلاك البترول في الولايات المتحدة ارتفع خلال العقد الأخير الى 14% وانخفض الانتاج المحلي من النفط الى 18% وازدادت الواردات الى 34%.

[5] أنظر انتقام العرب : صدام حسين ، رأسمال النفط، وعملية السلام ( نوفمبر 1998 )

[6]  خلال حرب تحرير كوسوفو، تناقشت حول ان هناك ثوران أو جيشان في الشؤون الدولية يرقد تحت الرماد. هذا الجيشان قد يؤدي لحرب عالمية. صراع طويل، طلاب التاريخ سيتساءلون هل هذا ممكن. بمصطلحات اليوم فان الصراع الطويل يعرف بالحرب " الشاملة"، أو الحرب العالمية، والتي يكون الهدف فيها غالباً المدنيين أكثر من العسكريين. أنظر دراستي المشهورة على نطاق واسع تحطيم جسر الاسلام في أوروبا ( مايو 1999 ).

 



Printer Friendly      In PDF





Feature | Publisher's Note | Insanity Distilled | Photographic Essay | Audio Dispatch |
Guest Writers | Wargaming | Newsworthy | Noteworthy | Interviews | Letters | Search | Forum

Copyright 2002 - 2013 World Affairs Monthly. All Rights Reserved.
Powered by Pak Cyber